"أهيب بضمير الإنسانية الحر في كل العالم أن يهب لنجدتي أنا وأولادي بالمساندة العالمية والتنديد بالفكر المتطرف مع تقديم حلول سريعة لإنقاذنا من الخطر الذي يحدق بنا"
(في الصورة: الباحث المصري سيد القمني)
لا تملك سوى أن تتنهد في حسرة: ياه! وتتساءل: من كان يتصور ان محاكم التفتيش التي تربعت على عرشها في القرون الوسطى ثم انحسرت وقضت تعود وتزدهر في القرن 21؟ كانت محاكم التفتيش في كل من اسبانيا وايطاليا تفتش في رؤوس المفكرين والفلاسفة والعلماء وكانت التهمة جاهزة لهم وهي الهرطقة، علماء وفلاسفة عديدون راحوا ضحايا هذه المحاكم الجائرة نذكر منهم مثلا ابن رشد وجان دارك التي زعمت أنها رأت قديسة في السماء والتي احرقوها والمفكر الايطالي جوردانو برونو الذي كتب كتابًا احدث ضجةً كبيرة فأحرقته الكنيسة الكاثوليكية في روما وحكمت عليه أيضًا بالهرطقة ولم يسلم من محاكم التفتيش سوى العالم الإيطالي غاليلو غاليلي الذي أنكر ما توصل إليه من أفكار ونظريات فلكية ولم يكن ذلك جبنًا منه بل ذكاءً منه وإكراما لنفسه من أن تسلم الى محرقة محاكم التفتيش.
ولسنا هنا في صدد سرد ما قرأناه في الكتب والأسفار عما جرى لبعض المفكرين والفلاسفة العرب المسلمين في العهدين العباسيين فتلك قضية معروفة، ولكن مما يحزن القلب ويدميه ان القضية بقيت متصلةً ومتوارثة الى القرن العشرين. وكان الدكتور طه حسين على سبيل المثال ضحية من ضحايا محاكم التفتيش العربية بعدما أصدر هذا المفكر المستنير كتابه حول الشعر الجاهلي أثار به غضب المتزمتين لدرجة أنهم طالبوا برأسه فإضطر الرجل الى حذف فصل من كتابه واستبدل عنوانه فعاش الدكتور طه محنةً قاسية كتب على إثرها مقالةً عدّ فيها الفيلسوف سقراط اول شهيد للرأي الحر وكأن طه حسين كان يتحدث عن نفسه واتخذ من سقراط قناعًا له.
ولم يحدث هذا فقط في المنطقة العربية وانما انتقلت القضية الى الولايات المتحدة في عشرينات القرن الماضي وكان ضحيتها استاذ تجرأ لتدريس كتاب أصل الأنواع لداروين في إحدى المدارس فأثاروا من حوله زوبعة وعانى هذا الأستاذ من عنت المتزمتين الذين قدموا الأستاذ الى المحاكمة فإستغل الروائي سنكلر لويس القضية فكتب بشأنها روايته "إيلمر غانتري" دافع فيها عن الأستاذ وعن حرية الفكر والرأي.
أما في ايطاليا وفي عهد موسوليني فقد قاموا باعتقال المفكر السياسي أنطونيو غرامشي وقدموه الى المحاكمة فخاطبه القاضي: لقد أصدر الدوتشي قرارًا بمصادرة عقلك لعشرين سنة والقوا به وراء القضبان .ومع ذلك كتب غرامشي واحدًا من أفضل كتبه وهو "كراسات السجن"، ولو أحصينا اسماء الكتاب والمفكرين الذين عانوا من العنت والاضطهاد فسوف يطول الحديث بنا.
وصفوة القول اننا أردنا بهذا الإيجاز ان نشير الى ما يجري في مصر من اضطهاد الكتاب والمفكرين وما يعانونه من عنت واستنكار، وقد بدأت القضية قبل سنة عندما شنت بعض الجهات حرب البسوس بحق طائفةٍ من الكتـّاب وطالبت بتقديمهم الى المحاكمة، هذا ما يجري في مصر، بلد محمد عبده وعلي عبد الرازق وطه حسين وعباس محمود العقاد ولطفي السيد وتوفيق الحكيم ....والخ.
واليوم تبرز قضية المفكر سيد محمود القمني، الذي تعرض الى هجوم كاسح من قبل بعض الجهات التي طالبت بمحاكمته وتوصل الأمر الى إهدار دمه الأمر الذي دفع القمني الى إرسال نداء استغاثة الى جميع الهيئات والأفراد والمنظمات الحقوقية في العالم. وقال القمني في ندائه: "أهيب بضمير الإنسانية الحر في كل العالم أن يهب لنجدتي أنا وأولادي بالمساندة العالمية والتنديد بالفكر المتطرف مع تقديم حلول سريعة لإنقاذنا من الخطر الذي يحدق بنا".
هذا ما يجري في مصر "الديمقراطية" التي كما يبدو انها تسمح لعودة محاكم التفتيش ولا تتدخل لحماية المفكرين والأدباء، وتسأل نفسك: وكيف مع هذه الحال تتقدم الأمة العربية الممتدة من الماء الى الماء؟
جاء في إحدى الروايات أن جان بول سارتر كان يثير الشغب في شوارع باريس في عهد شارل ديغول، فطلب احد الوزراء من ديغول ان يلقي بسارتر وراء القضبان فخاطبه ديغول: اذا ألقيت بسارتر في السجن فهذا يتطلب مني ان ألقي بجميع الباريسيين في السجن. واللبيب يفهم من الإشارة.
* كاتب عراقي
