عصيٌّ على النسيان

single

*هذه كلمات ابي كان يحكيها عندما يسأل عن النكبة قبل ان ينهكه المرض. وعندما اصفو الى نفسي واتنقل في عباب الذاكرة.. حلوها ومرها..


أستميحكِ عذرًا أيتها الكاتبة ميشال سعادة لاقتباس عنوان كتابك عنوانا لمقالتي هذه التي تفقّت بها ذاكرتي الحية حين أطلت علينا ذكرى النكبة السادسة والستين لفلسطين من جديد.. لتعيد وتجر الحنين الى الماضي المدثر بالألم والحزن.. وتوقظ تلك الحكايات الموشحة بالقهر والصور المبعثرة التي ترقد في أروقة الافئدة.. موجعة.. للتشريد والحرمان والقهر.. والظلم لأهلنا المنكوبين، عن حكاياتهم المنسية.. واحلامهم الموؤدة وامنياتهم الضائعة.. حكايات الجارة.. وقعدة الخلان..سهراتهم واشعارهم واكلاتهن وخبزات امي اللي انحرقوا في يوم من الايام.. وطير السنونو اللي عشش في سقف الدار.. وما عرف لا شو جرى ولا شو صار.
محيطات من الذاكرة والمشاهد المحكية تمتزج فيها العبرات بالضحكات لتكتب لنا التاريخ لأناس عصفت بهم يد الجلاد وعاثت فسادا في ارضهم ومالهم وسرقت احلام طفولتهم وخنقت الصرخة في حناجرهم.. العمر الذي رحل.. الجرح الذي لم يندمل.. والطفولة المفقودة.. كل هذا (عصي على النسيان) وتأتي الذكرى لتعمق فينا الحنين الى الجذور وتحمِّلنا الامانة جيل بعد جيل كي لا ننسى مهما طال الدهر والزمن (الدار دار ابونا) وان الجيل القادم هم الأمل المنشود.
وعلى سفوح هذه الذكريات ترتسم حكاية أبي وعمي أبو سالم )ابي( الذي ( كبوه) مرتين وعاد ادراجه في الظلام الى الوطن وعاش ومات فيه.. وعمي الذي هُجر وعاش النكبة مرات عدة ومات غريبا حزينا محروما من ان يدفن في ارض الوطن فلسطين.
أبو سالم عمي محمد مطر المغترب هُجر الى خارج الوطن وعاش متنقلا مثقلا بجراح الغربة ما بين لبنان وسوريا وامريكا وابو ظبي وعاد ليدفن في لبنان حدثنا في زياراته عن احداث الـ 48 فقال: "حين جاء اليهود في الـ 48 جمعوا الناس في ساحة العين التي ما زالت وسط البلد وانتخبوا عشرة اشخاص وطخوهم في ساحة العين وخوفوا الناس كنت حينها شاب متزوج جديد ولي طفل، كما اخذوا مجموعة كمان من الشباب وكبوهم عجنوب لبنان منهن اخوي احمد.. ابوي قلي انهزم يا محمد هون ممكن تموت.. وفي 29/10/48 طلعت من البلاد ووصلت انا وعيلتي لرميش.. وهناك قعدت، كانت العيشة مرة وذل وقهر.. وبعدين انتقلت لحلب سنة كاملة وسكنت سنة وبعدين عدت الى شاتيلا.. اخذنا شادر ننام فيّو انا ومجموعة من العائلات من اللي طلعوا وسائت ظروف الناس في المخيم والشوادر.. لا اكل ولا شرب.. وكنا تحت رحمة وكالة الغوث.. نستنا شوية الطحين والرز والسكر يعطونا نطعمي ولادنا.. والناس محرومين.. والاهم من كل شى انو الناس كان الها ارقام.. واللي ما الو رقم مالو اغاثة.. (جملة لا يمكن نسيانها) وبعدين عملولنا هوية لبنانية لنضمن الاغاثة وبعت ذهبات مرتي وبلشت اشتغل وشوي شوي دبرت حالي.. وفي سنة 82 بالاجتياح الاسرائيلي للبنان وبعد مذبحة صبرا وشاتيلا تهجرنا مرة اخرى ونكبنا مرة ثانية وسافرنا الى ابو ظبي ومنها لامريكا ورجعنا واستقرينا في ابو ظبي لليوم بس ما بعنا بيتنا اللي بلبنان وقال جملة كثير مهمة: يا عمي (لازم تبنيلك في كل بلد بيت.. ما دمت انتي فلسطيني) لانك ما بتعرف شومخبالك وفش امان.
وفي سنة 86 التقيت اخوتي في قبرص وقعدنا هناك بعد ما حاولت آجي ع فلسطين قبل مرة ورجعوني على قبرص بنفس اليوم وما صرلي اشوفهن وصلت المينا وشفتهن من القزاز وشوحتلهن بايدي بس ما خلوني افوت ورجعوني، واكثر شي بيقهرني اني ما ودعت ابوي وامي بس ماتوا ولهيك دايما مشتاق لريحة امي وابوي واخوتي وقرايبي وبيتنا ولمة الجيران والخلان على مصطبة الدار وسلة العنب والتين والصبرات وكواز الرمان.. ما في احلى من بلدنا وريحة بلدنا ومية بلدنا.
 وكمان يا حسرتي..اخوتي الاثنين ماتوا ما حضرت دفنهن ولا مليت عيني منهن ولا شاركت بتغسيلهن..وهيك انا خايف ليصير معاي..لانوا يا عمي اللي ما بموت بفلسطين.. بموت عحالوا حزين.. ومرة اخوي احمد كان باعثلي قصيدة مسجلة عشريط وفيها سلام وكلام وبكاني فيها وقلي:
كتبت كتابي والبلاد بعيدة                 أيا نائما كيف المنام يطيب
كتبت بان البعد غير حالتي              واما الفراق فوالله صعيب
والله ما كان الفراق بخاطري               لكن تقادير الزمان عجيب
تغربت عنكم أيا طول غربتي               أيا حسرتي اني اموت غريب
اموت ولا تدري الحبايب موتتي              ويدفنوني ولا يبكي علي حبيب
تمنيت حمال نعشي اخي ابن والدي                 ولا يكون حمال نعشي غريب
ومخيطة كفني تكون والدتي                 وتبكي علي بدال الدمع دم صبيب
ايا قلب لا تحزن وكن صابرا                   لان رسول الله مات غريب
احمد اخوي كان صوتو حنون وكان يقرا كأنوا بحكي عني وعنو وعن اللي صار وبصير.. والله اعلم اذا قسملنا نموت بهالارض ولا وين.. يا رب تكتبلنا اياها موته بين اهلنا..


*رجال الغرايب يحملوا النعش*


كان عمي يحدثنا هذه الاحاديث بامسياته وهو يجلس مزهوا بيرغوله ورائحة تمباكه الاصلي تملأ المكان يتحدث عن هذه البلاد وحبه لها، ويوصي ان يوضع له الدوالي والزعتر وزيت الزيتون وقليل من خلطة الاعشاب للشاي والجبنة العربية وزقاليط اللبنه والزيتون الاسود من خيرات بلادنا وكلما حان موعد الرحيل يودعنا بقلب يعتصر ألما ويقول: (يا من درى يا من يعيش.. بصرنا نرجع السنة الجاي ولا كيف) وكانت تتساقط دموعه مدرارة على وجنتيه وهو يحضننا واحدا تلو الآخر كأنه وداعه الاخير في كل مرة.
وفعلا اشد ما آلمنا هو انه مرض وعلمنا نبأ نقله لمشفى النور في ابو ظبي وانه طلب قبل ان يدخل في غيبوبة ان يرى عمي.. ولكن لسوء الحظ لم يتمكن عمي من السفر بحجة (السفر الى دولة معادية) الا ان توفي وكان الالم اكبر حيث نقل جثمانه وبعد ثلاثة ايام من الموت الى لبنان ليوارى جنبا الى قبر زوجته في مقبرة اهل فلسطين ومخيم شاتيلا وليحرم كما توقع من الدفن في بلده ووطنه... وتتحقق اشعار ابي (رجال الغرايب يحملوا النعش).
اما (أبي) فقد ذاق الامرين فأذكر جيدا احاديثه لي ولاولادي ونحن بجوار الموقد بابتسامته الهادئه وهو يقول:
 طلعونا من هون حملونا بسيارات الشحن في الصندوق والجنود حوالينا عالاطراف حاملين البواريد ومصلطة علينا وما حسينا الا هالسياره وقفت ورفعوا الهيبر ولا احنا سقطنا فوق بعض واحد على الثاني زي كوم الرمل او القش وراحوا... مشينا مشينا ولا احنا واصلين الرميش في لبنان بين هلوعور والشوك والبلان اكلنا.. وفي الطريق كان هناك حرامية كانوا يفكروا انو معانا مصاري صاروا يطخوا علينا.. وبالقوة فلتتنا اجرينا منهن ونمنا تحت الخروبة وثاني يوم الصبح عاودنا رجعنا على البلد.... 7 ساعات من الرميش لمجد لكروم بين الشوك والبلان والصخور عنفس واحد.
 وصلنا بالليل عالدار فتحتلي مرتي ونمت بالتبان بين البالات لانها قالتلي بيجوا يدوروا بالبيوت عالشباب.. ثاني يوم.. ولاد الحلال كنهن فسدوا علي انا واللي روحنا اجو عالدار وصاروا يدوروا وانهزمت من باب التبان وفتت عالدار ونطيت من الشباك الشمالي عالحارة والجيش لاحقني بقوسوا علي.. الفشك كان يمرق من تحت اجري... وانا اجري اعلى من راسي من خوفي ليلقطوني.
ورحت تخبيت بالجبل بالمغارة هذيك الليلة والمرة الثانية زقطوني.. واخذونا كبونا حد جنين في اراضي وعرة وهناك.. امشي بالهسهول ان كنك بتمشي..لا اكل ولا شرب.. وعقوله المثل (حلم الجوعان عيش) دخلت على ارض مزروعة فجل وبصل وبطيخ، وانا كان باقي معاي كماجه يابسه.. قلعت راس فجل. وراسين بصل صغار وبدي اقطعلي بطيخة) ولا ناطور المقثاي جاي يركض..لحقني كبشني.. وتباطحنا.. ولولا اني اقوى منو وعافيتي منيحه لكان قتلني عراس الفجل... شو بدي اقولكوا (الجوع علمنا الشحاته.. والعرى علمنا لخياطه).. والله مرات كنا نضطر نشحد ويصدقوا انا شحادين من هندامنا وحالتنا اللي بتحزن حتى نوكل.. وشو نعمل والدار دار ابونا واجو الغرب يطحونا.. بس انا واكمن شب من البلد منهن سالم كيوان وابن عمتي ابراهيم علي الخليل وابو اسعد الخضر.. ظلينا طافشين..من وعر لوعر ومن سهل لسهل تمنا رجعنا عالبلد ورحنا نمنا بمغاره باب الوادي وصارت امك يابا تجبلنا الاكل هي والنسوان لانو في فسادين كثار كانوا يشتغلوا مع العسكر.. اول يوم نرجع.. ثاني يوم ييجوا يطوقوا الدار تنهن يكبشونا.. دايما (كل دوله والها صوله ورجال).
بس الحمد الله تحملنا بس عاودنا رجعنا وعشنا بهلبلاد.. بارضنا الحسره على اللي ما رجع.. واحنا هون قعدنالهن زي مسمار جحا.. بحلوقهن.. ومن هالمراح ما في رواح.. من هون ياباعالقبر.. من مجد لكروم مالي طلعه.. انا زي ما بقولوا: (زي السمك ان طلع من البحر بموت) وانا هيك يابا. بس انشالله بتنحل هالقضيه وبيصير سلام وهالناس ترجع تعيش بامان. لأنو ما بضيع حق ورا مطالب.
هذه هي كلمات ابي كان يحكيها عندما يسأل عن النكبة قبل ان ينهكه المرض ويلزمه الفراش ولطالما ترددت في ذهني وسكنت بداخلي صورته وتكوينة والفاظه وهو يتحدث عن تلك الحقبة.. ومآسيها.. وعندما اصفو الى نفسي واتنقل في عباب الذاكرة.. حلوها ومرها.. ترتسم في مخيلتي وجوههم (ابي وعمي) وابتساماتهما وتسكن بداخلي، فتمتد سعادة خفيه ممزوجة بالضحك والعبرات في آن واحد.. وفي مساحة من قلبي من ارواحهم الى روحي.. فلا يسعني الا ان ادعو لهم بالرحمة وان يكونوا ممن تغمدهم الله بوافر رحمته واسقاهم ماء الكوثر على ما تكبدوا من عناء وشقاء العيش لنعيش بأمان وترتسم امامي لوحة للشاعر توفيق زياد مرسومة يتفنن ومكتوب عليها قصيدته المشهورة: بأسناني: بأسناني – سأحمي كل شبر من ثرى وطني بأسناني...
ولن ارضى بديلا عنه لو علقت من شريان شرياني....
ولا يسعني الا ان اقول: عليك مني السلام – يا أرض اجدادي...

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل يأتي مؤتمر انهاء الانقسام بالبشائر؟

featured

عن الغوطة الشرقية

featured

تشويه اعلامي للحملة العسكرية الروسية

featured

نتنياهو وأردوغان، حملتان مكارثيتان

featured

من طرائف الانتخابات

featured

ما بين عصا الحلول وكف النضال

featured

عِقدٌ من التعقيدات