يوهم العالم الافتراضي بأننا نعيش لوحدنا، بينما الشركات العظمى تقتحم ثنايانا!
لم تعرف إسرائيل احتجاجًا اجتماعيا مثل هذه الأيّام. كانت هنالك مظاهرات وحركات لليهود الشرقيين ومحصورة عليهم، ابتداء من أحداث وادي الصليب في حيفا، مرورا بالفهود السود، ومن ثمّ حركة الخِيَم (??????) وحتى المناضلة الاجتماعية فيكي كنافو.. في حينه راوح تفاعل أبناء الطبقة الوسطى بين الرفض والتفهم المتعالي، وبعد اجتماع رئيسة الحكومة غولدا مئير مع الفهود السود سقطت كلماتها من علٍ أشكنازي: ?? ?? ??????. (ليسوا لطيفين).
اليوم خرج اللطيفون، أبناء الطبقة الوسطى التل-أبيبية، إلى الشوارع، فإلى أين يهرب رئيس الحكومة الحالي؟!
عندما بدأت الاحتجاجات قبل أكثر من أسبوعين رُفعت شعارات الطبقة الوسطى، لكن سرعان ما تفجّرت سائر القضايا الاجتماعية الخاصّة بالطبقة الوسطى وكذلك العاملين والمعطّلين عن العمل، والتحَم نضال الأطباء مع الوالدات حديثًا والعائلات دون مأوى والمعطلين عن العمل. ويمكن رصد الشعارات المكتوبة على الخِيَم في "سدروت روتشلد" على النحو التالي: "ثورة"، "سوق حرّ = شعب مستعبَد"، "لا للخصخصة"، "الخصخصة تحرقنا جميعًا" "دولة الرفاه، الآن"، "الاشتراكية هي الحل"، نُرجع السكن للمواطنين"، "مساكن شعبية" "بيبي إلى البيت".. وتلفت نظرك الشعارات المتأثرة مباشرة من مصر مثل: "هنا ميدان التحرير" و"الشعب يريد.. عدالة اجتماعية"، فتشعر أن مقولة دريد لحّام: "والله يا أبي صُرنا فرجة" اتخذت بُعدًا معاكسًا تعتزّ بها.
وهنا نسأل: أين الجمهور العربي من كل هذا؟
الجمهور العربي لم يشعر بداية أنه جزء من النضال ومطالبه، فالشعار المناهض لغلاء أسعار البيوت لا يعنيه إلا في المدن المختلطة بالأساس. ورغم أن مطالب المتظاهرين تعمّقت وأصبحت تخصّ كل المواطنين من طبقة العمال والمعطّلين عن العمل والطبقى الوسطى، إلا أن الجمهور العربي لم يخرج من مربّع المتفرّج، لا المشارك.
ولفهم – لا تبرير- سلوك الجمهور العربي إزاء هذه المظاهرات، تجدر قراءته في السياق النضالي العام، الذي لا يختلف كثيرًا عن التقاعس في النضالات الأسبوعية في الشيخ جرّاح وبلعين ونعلين التي هي حكرًا على اليهود السلاميين، وإلى حدّ ما في النضالات ضد هدم البيوت في اللد والعراقيب حيث التواجد اليهودي بارز ومثابر.
ومن أسباب هذا النكوص عن المشاركة هو شعور شريحة عريضة من الجمهور العربي بأنها مُقصاة عن التأثير، خاصّة بعد أكتوبر 2000، فالدولة تُعادي وتسنّ القوانين الصارمة بأنها لليهود، وفقط لليهود، وثمّة شكوك – غير صحيحة أبدًا - بأن الجمهور اليهودي المتظاهر غير معنيّ أصلا بشراكتنا معه، أو أنّ أي حلّ لن يشمل قضايا الجماهير العربيّة، فلمَ النضال؟!
* العولمحلية.
بيد أن هنالك سببًا إضافيًا لابتعاد الجمهور العربي عن النضال العام في مراكزه الأساسية تل أبيب والقدس، هذا البُعد لم يأخذ مداه في التحليل السياسي الإعلامي والأكاديمي، وهو خلق شعور موهوم بأننا نعيش لوحدنا. وهي ظاهرة عالمية لدى "الأطراف" في زمن العولمة، بينما "المركز" هو في الواقع يصيغ حياتهم. فحتى بداية التسعينيات لم يشاهد العربي إلا التلفزيون الإسرائيلي، ومن حالفه حالة الطقس ودرجة مَيل الأنتنيا كان يشاهد التلفزيون السوري أو الأردني، ولم يسمع في الراديو إلا "ريشت بت" و"كول يسرائيل" و"صوت إسرائيل باللغة العربية"، وكانت الصحيفة الأولى هي "يديعوت أحرونوت"، ولم تصمد من الصحف العربية سوى "الاتحاد" التي كانت في سنوات الخمسينيات والستينيات تَكتب عن المجتمع الإسرائيلي عامّة بنسبٍ كبيرة تكاد تصل نصف صفحاتها، فالجريمة التي كانت تحدث في تل أبيب كانت تهمّ الصحيفة، ومعاناة عائلة شرقية في "المعبراة" كانت تشكّل ريبورتاجا طويلا، ناهيك عن المقالات المترجمة عن الصحف الشيوعية العبرية.
اليوم يفتح العامل في طريقه إلى العمل على "راديو الشمس"، ويتصفّح الناس المواقع العربية المحلية (ولكل قرية موقع إخباري خاص بها).. أما الكهول فيجلسون قبالة شاشة الفضائيات العربية.. أرجو من القارئ/ة تأمّل هذا السلوك في أفراد عائلته/ا.
مدنا وقرانا تعجّ بعشرات الكليات العربية، والمحامون والأطباء العرب موجودون بكثرة بخلاف سنوات سابقة حيث المدينة اليهودية أو المختلطة هي العنوان، وكذلك المراكز الطبية وصناديق المرضى والمعاهد التأهيلية. وشركات الملابس العالمية من "زارا" و"مانغو" الإسبانيتين إلى "ماركس أند سبينسر" الإنجليزية إلى "تي إن تي" الإسرائيلية متواجدة في مدننا، وكذلك الكانيونات والمولات.... فهل هذا سيء؟ بالطبع لا! وهذا يتضمّن إيجابيات كبيرة يجب تعزيزها، ولكن كما كل شيء إيجابي ترافقه مضاعفات سلبية، منها أنها تجعل المواطن العربي يتفاعل في محيطه القروي قافزًا عن الساحة الإسرائيلية نحو واقع افتراضي في العالم العربي تبثّه الفضائيات، بينما الواقع الحقيقي هو أن حيتان الاقتصاد والسياسية الإسرائيليين يصوغون حياتنا السياسية والاقتصادية من تل أبيب والقدس، ليس من القرية ولا من الدول العربية.
هذه الظاهرة عالميةٌ في زمن العولمة تسمى (glocality) (لم تترجم للعربية بعد، وربّما ستُترجم إلى "العولمحلية" وهي منحوتة من كلمتيْ: العولمة والمحلية) فـ"الأطراف" تعيش لوحدها، افتراضيا، بينما "المركز" موغل في نهبها اقتصاديا وفكريا، هي لا تشاهده في وسائل الإعلام والحياة المعاشة بينما هو ينهش ثناياها في الواقع.
* قضيتنا نحن.
القضية الاجتماعية قضية الجماهير العربية بجدارة، فهي تتصدّر البطالة والفقر والمرض، فحركة الاحتجاج لم تقتصر على سعر البيوت، وإنما تجاوزتها إلى كل القضايا الاجتماعية التي تهم الشعبين، وكل طبيب عربي وعامل اجتماعي وعامل في مختلف المجالات يدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن النضال اليهودي العربي المشترك هو الطريق الرئيس لانتزاع الحقوق، فهل يكفي الطبيب والعامل الاجتماعي وعامل البناء العربي لوحدهم لانتزاع الحقوق؟! وعلاوة على تلك القضايا المشترك فهناك القضايا الخاصة بالجمهور العربي وأبرزها القرى غير المعترف بها حكوميا، وقضايا توسيع الخرائط الهيكلية وغيرها من القضايا التي صاغها المهندس رامز جرايسي رئيس اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية.
وأتساءل هنا في جانب آخر، ألا يهمّ الجماهير العربية ما يحدث من ضعضعة حكومة نتنياهو الذي هبط باستطلاعات الرأي من 52% إلى 31% خلال أسبوع واحد؟! وكذلك مظاهرات وصلت 150 ألف ويخطّط لها أن تصل نصف مليون في الأسبوع القادم، يؤيدها 87% من المجتمع الإسرائيلي، وهي موجّهة ضد حكومة نتنياهو، الحكومة الأكثر يمينية، حكومة القوانين العنصرية ضد المواطنين العرب، وحكومة التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني! ألا يهمنّا أن نكون جزءًا من ضعضعتها؟!
لسنا سذجا لنعتقد أن الحركة الاجتماعية الجبارة هي خروج عن الخانتين "الإثنية" و"الأمنية" التين خَبَل بهما حكامُ إسرائيل الشعبَ اليهودي الإسرائيلي، ولكنّها بُعدٌ إضافي لم يأخذ مداه طيلة عشرات السنوات كما يحدث اليوم أبدًا. ومن يتوقّع أن تُهمل قضايا الجمهور العربي في هذه الحركة أو تأتي على حسابه، فعليه أخذ دوره لمنع ذلك، بأن يشارك في النضال وفي صياغة المطالب لا الركون السلبي في البيت وأدلجة الكسل. إن الحركة السياسية التي لا تحمل همّ الناس، الناس لا يحملون همّها، والتي لا تحمل الهمّ اليومي يجب أن لا تنتظر من الناس شحذ الأذهان لتنظيرها الوطني.
* * *
أتوجّه إلى جمهورنا عموما، والجبهويين على وجه الخصوص، بالشروع بقوّة بنصب الخِيَم في قرانا ومدننا هذا الأسبوع، والمشاركة في مظاهرة تل أبيب الجبارة نهاية هذا الأسبوع، هذا واجبنا الوطني اليومي.
(سكرتير الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة)
