عبرةُ الحسرة ...رئيف - رئيف ...حسرةُ العبرة

single

كانَ لهيبُ آب حاميا على القلبِ هذا العام . وتساقط الوردُ في أيلول، مبكّرا في حديقةِ أحمد وميَسّر شحادة . وردةٌ يانعةٌ ثالثة، تصفرّ وتسقط في الحديقة، التي وهبَها صاحباها المعطاوان، لحزبنا الشّيوعيّ وللصّالح العام .
في مصاب اليوم عبرةٌ في الصّبر لمن يعتبر . وكما قال علي بن أبي طالب : ما أكثرَ العِبَر وما أقلَّ الإعتبار . فنتعلّمُ تحمّلَ نوائبِ الدّهرِ بقلبٍ كبير، والإلتزامَ بالطريق حتّى النّفس الأخير . فالرفيق أحمد يواصل طريقهُ، دونَ أن ينحنيَ، أمامَ عاصفةِ الاستعمار البريطاني على فلسطين، هو ورفاقه في عصبة التّحرّر الوطنيّ، وأمامَ ظلمِ الحركةِ الصهيونيّة، على امتدادِ ثلاثةٍ وستين عاما . ومعه الزّوجة والرّفيقة الشجاعة الوفيّة، التي تُيَسِّرُ الخَطبَ وإنْ تَعَسَّر . يُزهرُ الحِلمُ ورودا فوقَ أضرحةِ الورودِ المتساقطة، في حديقةِ هذه العائلة . ونحنُ نتعلّمُ من المهدِ إلى اللّحدِ، فهَلا نقول شكرا للعائلةِ القدوة .
سيتلو هذا الخريفَ شتاءٌ، يُعِدّ خُصوبة الأرضِ لربيعٍ مُزهرٍ قادمٍ، يرتعُ في روعةِ جمالِهِ طيرٌ شادٍ . ذلك ما يعدُنا به الصّبحُ النّديّ في دورة الحياة المتتالية . ربيعٌ شادٍ زينة الحياة الدّنيا . ذلك ما أعدّه لنا رائفٌ رؤوفٌ رئيفٌ، قبل رحيلِهِ المُبكّرِ، على أعتابِ أيلول .
أيّها الأبناءُ الواقفون في وجهِ النّائبة، في موقفٍ يُحتذى ! رمزي معناه، وجيهة عبرتهُ، سميرةُ عيناه، ليلى نورُهُ، هالة هيبتهُ، هيفاءُ ماؤهُ، ولمياءُ شفتاه . أنتم صبحُ النّهارِ المُتجدّدِ فينا . بكم نستشعرُ نبضَ قلبِنا ووَقعَ خطانا، في مشوار النّهار على الطّريق . أنتم الحلقة المُتحدّية في سلسلة الأحزان ولمّا تكسرْها النّوائب . أنتم المُعَزّون للمُعَزّين، والمُواسون للمُواسين، ولمّا يسقطِ الأملُ في حديقتكم، دائمةِ الخُضرة، على مشارفِ الخريف .
أذكرُ يا رئيف أصابعَكَ الرّشيقة، قبل أكثرَ من ثلاثين عاما وهي تطوي صحيفة الإتّحاد، صفحة صفحة . وأذكرُ ابتسامَتَكَ الرّقيقة، حينَ يحضر الموزّعون، دُفعة دُفعة . ولم أكنْ أعلمُ أنّكَ في عجلةٍ من أمرِ دنياك . فأناقة التّرتيبِ كانت توحي بالتأنّي الذي ألهيتَ بهِ فكرَنا، فباغتنا موعدُكَ مع طلّةِ الخريف .
كنتَ هادئا وَسْط الضّجيج، تنفرجُ ملامِحُكَ عن وجهٍ ضَحوكٍ، بين العابسين . وكنْتَ تتألّمُ بصمتٍ . فهلْ كان عليكَ أنْ تُعطينا عُمرَكَ، لكي نعرفَ أنّ بين الألمِ والسّعادةِ مُجَرّدَ خيط . يا نحيلَ الجسمِ، يا قويّ الإرادةِ، كُنْتَ تُعطينا العبرة في عدمِ الإغترار بالقشور، دونَ أنْ تستاءَ منّا أو تثور .
واجهتَ المرضَ وحدَكَ، بما أوتيتَ من عزيمةٍ وتحمّلٍ وإصرار، نائيا بالرّفاقِ والأصدقاءِ، عن حلبةِ النّزال . اكتفيْتَ بمرارةِ التّجربة ومنحتَنا حلاوة العبرةِ . استأثرْتَ بِخُطاكَ وأبقيْتَ لنا الطّريق، فكيفَ لا يقتدي بك السّائرون، أيّها الرّفيق !
ترقدُ، تحتَ هذا الترابِ، أجسادُ الأحبّةِ، فعلى رِسْلِكُم، أيّها المارّون في مشوار النّهار . لقد دفنّا أغلى الغوالي، تحتهُ، فتذكّروا أثناءَ سيرِكم سيرَتهم ووصيّتهم، صفاتِهم وجمالَهم، مواقفَهم وعبرة تجربتِهم .
ستبقى ذكراك، أيّها المأسوف على جمالِ شبابهِ، في الوعي والوجدانِ والقلب . وسنذكُرُكَ بكلّ الحُبّ . وداعا، أيّها الرّفيق !

 


(كفر ياسيف)

قد يهمّكم أيضا..
featured

العتبة: "وحيدون نحن، وحيدون حتى الثمالة"

featured

شوعي عينه حمرا

featured

اسقاطات محادثات اوباما – نتنياهو

featured

أبرتهايد سياسة الأرض والمسكن

featured

النظام السعودي بدأ يقلق

featured

السير في سياسة المجازر المتتالية يكشف الوجه المتوحش للصهيونية وحكام إسرائيل

featured

الحكومة أعلنت حرب الهدم!

featured

ألم يبلغ السيل الزبى؟