شوعي عينه حمرا

single

توقف هطول الامطار الغزيرة في مساء ذلك اليوم من شهر اذار (اذار ابو الزلازل والامطار ساعة شمس ساعة امطار،فيه  بروّح الراعي محمل على لحمار،لا من شردو ولا من بردو الا من جوعه طول لنهار).
نهض محمود بعد احتباس في البيت طيلة ذلك اليوم الماطر.اعتمر كوفية بيضاء من كوفيّات والده، ولفّ راسه بها وعقدها بإحكام على رأسه على شكل عمامة،انتعل حذاء من الشوادر بلون رمادي وارتدى سترة سوداء ثم خرج يشق طريقه في جنح الظلام هائما حائرا . الرذاذ يتساقط ببطء وريح عاصفة تهُبّ وتزمجر تدفعه بقوة الى الامام وتحاول اقتلاعه كما لو انه كان شجرة مغروسه في الارض.
استذكر صديقا له،دفعته رغبته الجامحة لزيارته ، تردد بداية ، ثم عزم على المضي قائلا في نفسه "يللا الليل ابو ساتر" تابع سيره في الطريق الترابية الموحلة وهو يتسلل خشية ان يراه احد، وبعد ان قطع المسافه وجد نفسه يطرق باب بيت صديقه . انفرج الباب استاذن ودخل، تصافحا وتعانقا عناقا حارا . كانت النار مشتعلة والدخان يتصاعد غمر البيت ،واسال الدموع من العينين ، سرى الدفء في عروقه ، وتوقف صرير اسنانه وارتجاج جسمه النحيل،خلع حذاءه الموحل ، افترشا الحصير وجلسا يتجاذبان الحديث ، نظيران ملهمان في النكتة والطرفة بالفطرة وعلى السليقة، تشعب الحديث وكان ذا شجون .
جدّ محمود في حديثه وكانت عقدته حبه لقريته ميعار مسقط راسه ،شغف بها، وكان حنينه لها جارفا كما لو انها كانت عشيقته وفتاة احلامه ، سكنت وجدانه وارتسمت في ذاكرته يحلم دائما بالعودة اليها ، عادت به الذاكرة الى الوراء ، وانفجرت ينابيع غزيرة وفاضت احاسيس جياشة تمور في احشائه بحسرة والتياع .
إستذكر طفولته في ربوع ميعار وكروم الرمان والزيتون، والعنب، والتين،والصبار،والزعتر،والبيادر،واكداس القمح والشعير وهو يتقافز عليها مع اترابه الذين تفرقوا شذر مذر .استذكر المعارك التي دارت رحاها سجالا مع جيش( الهاجانا) وعن الرعب الذي زرعته في نفوسهم والتي كانت محصّلتها مأساة الترحيل والتهجير والنزوح من قرية الى قرية حتى قادهم الحظ الى الاستقرار مهجرين في القرية.
عاد والده من المضافة المجاورة يهدج بجسمه الضخم الممتلئ بقامته القصيرة ،كان له شاربان كثيفان وخطهما الشيب تهدلا من على شفته العليا ،افترش فرشته وتوسد وسادة واحاط به ابناؤه العشرة من ذكور واناث والنار تشتعل في الموقدة يلحّون عليه ان يقصّ عليهم حكاية تغريبة بني هلال وحكاية الشاطر حسن وسعدى الزيناتي ، وحكايات جحا وغيرها مما يتيسر عنده وتفيض به ذاكرته اشعل سيجارته وراح الدخان يتصاعد يتماوج مع دخان الموقدة يتمازج مع رائحة روث وبول البهائم والدواب المربوطة في قاع البيت ومن خلال صخب الابناء وهمهمة البهائم وترافسها وصفير الريح وطقطقة نقاط الدلف في القدر النحاسي في احدى زوايا البيت تهادى لمسامعهم طرْق على الباب .اندفع احد الابناء اشرع الباب استأذن الطارق ودخل اقترب من الوالد هبط بجسمه الثقيل وجلس بجانبه ثم مال وقرّ كلاما في اذنه . حدّق الوالد به وجحظت عيناه وصدرت عنه صرخة بصوت اجش وقال :" ولك شو ؟؟ "دينو  " لفظها باستهجان وذهول ، ثم اردف قائلا " الله يخرب مهجتك يا "دينو " سوّدت وجهي مع المختار، ورميتني في داهية مع الحاكم العسكري والضابط الشويلي الشيطان اللعين ، ما لقيت السهر الا عند الشيوعيين الكفرة الملاعين " ارتجف جسمه ثم هزّ رأسه مرات، واقسم اغلظ الايمان ، بأن يلقنه   درسا لن ينساه في حياته .
اتكأ وسورة الغضب تستعر في رأسه ، اعتصر جبينه بيده اليسرى ،وبيده اليمنى اخذ يفتّل شاربيه ، طغى على البيت صمت رهيب ، كسر ذلك الصمت صوت البهائم وترافسها . وانتاب الوالده شعور من القلق والخوف، ابتعدت وجلست في ركن معتم من البيت الكبير ، تفرك يديها وتولول وهي عاجزة عن  قول او فعل شيء . غمر الوجوم وجوه الابناء على ضياع فرصة سماع حكاية مسلية لقضاء تلك الليلة كما اعتادوا.
انتصف الليل نهض محمود وهمّ بالخروج وعلامات الرضى والسرور قد غمرت وجهه ، توقف عند الباب ،لفّ رأسه بكوفيته بإحكام والتفت حوله ونظر يمنة ويسرة وهو يخشى انفضاح امره،خرج يجُنُّه الليل يتهادى يشق طريقه وهو يتعثر هنا وهناك ، يسعفه وميض البرق شديد اللمعان الذي يلمع بين الحين والآخر ، واحبال من المطر خفيفة تتساقط . اقترب من البيت فاصابته الدهشة ، عندما شاهد الباب مشرعا على مصراعيه في تلك الساعة من الليل ، وفي ذلك البرد القارس ، توجّس خيفة وخالجه شعور ان مكروها اصاب احد افراد العائله .استرق الخطى ، واخذ يتفرس بنظره الثاقب ومن خلال غمامة غمرت البيت من دخان الموقدة، والسجائر ونفس الدواب والبهائم. ازدادت دهشته عندما شاهد والده والاخوة وذلك القريب يتحلّقون حول الموقدة صامتين كما لو ان جثمانا لوصيه مسجى امامهم، شق طريقه من بين الدواب صعد متثاقلا ، درجة اثنتان ثلاثا، حتى وطأت قدماه بحذائه القماشي ارض البيت  ، ومن على ملابسه تسح نقاط الماء ، اذ به يسمع انفجار صرخة ، وبنغمة معيارية عذبة متهدجة " امسكوه ثبّتوه ابطحوه" انتابه الذهول والاستهجان فالقوا به على الارض، ثم هدر الصوت ثانية"اخبط " ،فدار الخبط والركل من كل جانب وهو ملقى على الارض ، يستجير تارة  ويستغيث اخرى ،وقلب والدته يتفتّت في احشائها حزنا وحنانا، ولكن لا من مغيث ولا من مجير وقعت عينا الوالد على عينيه فوجدهما قد احمرتا من البكاء والدخان المتصاعد، فعاد الصوت يهدر ثالثة" بعدو شوعي عينه حمرا اخبط " تكرر المشهد مرة واثنتين وثلاث ورباع ،"بعدو شوعي عينه حمرا اخبط" ظل على هذه الحال الى ان اغمي عليه فاغمض عينيه ،عندها توقفوا  عن الخبط واستراحوا من تلقينه الدرس الذي لم ولن ينساه .
انتشرت الحكاية في صبيحة اليوم التالي وعمّت القرية وتناقلها الناس على الشفاه والألسن وراحت مثلا ، واضحت حكاية اخبط عينه حمرا.

 

(عرابة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل تفند التجربة التركية فرضية التناقض الحتمي بين الإسلام والعلمانية؟

featured

اسرائيل تتخبّط بين قديمها وجديد العرب

featured

عمره سنتان ونصف السنة ويرفض الخدمة في الجيش.. مع عمر يحلو العمر

featured

الأكياس البيضاء - يوم عاد الأسرى

featured

كيف أصبح أبو وطن نصيرا للبيئة؟

featured

لا تضيّعوا البوصلة!

featured

قمة الكلام وحضيض الأفعال

featured

في مواجهة التطرف الديني والفكر الداعشي الظلامي..!