تميزت لغة بيان "قمة نواكشوط" التي اختتمت قبل أيام بالتأكيدات والوعود والتعهدات، و"بلغة ناعمة". فقد تضمن التعهّد بمكافحة الارهاب و"بنشر قيم السلام والوسطية والحوار" وبالارتقاء بمجتمعاتنا إلى "مستقبل عربي آمن زاهر" وبالحفاظ "على مركزية القضية الفلسطينية" و"توثيق أواصر الأخوة وتماسك الصف العربي"، وغير ذلك.
بالطبع فإن المسألة تكمن في التطبيق وليس تسجيل الوعود. فلا أسهل من إطلاق الوعود إلا النكث بها وتجاهلها! وللشعوب العربية تجربة مريرة وطويلة منذ وعدتها مختلف الأنظمة بشتى السيناريوهات الوردية التي خابت، ليس بفعل قوى عليا ولا قدر من السماء.. بل بسبب سياسات عينيّة يجب الاتيان على ذكرها على سبيل التعريف والتأكيد والمحاججة والتحذير..
فكيف يمكن مكافحة الارهاب طالما أن قسما من الأنظمة الموقعة على البيان ضالعة – وحتى باعتراف سادتها الغربيين – في تمويل ودعم واحيانا تشكيل جماعات الارهاب؟ هل يظن سادة القمة ان بمقدورهم تصدير الكلام الحلو، لتغطية واقع مر كالعلقم؟ ثم كيف تسلّحت عصابات التكفير بكل هذه الترسانة العسكرية التي تضاهي جيوشًا، من البحر؟! أم أن هناك من أفاض عليها وسائل القتل والذبح عالية التقنية؟ كيف سيحارب أولئك الزعماء الارهاب طالما هم يسجنون شعوبهم بحشود مليونية في معازل الفقر والاقصاء والبطالة والاحباط واليأس، حيث يصطاد كفرة الارهاب الشباب الذي لا يرى أمامه سوى الأفق المحروق؟
وكيف ستنشر قيم السلام والحوار، طالما أن اللغة الوحيدة المستخدمة مع الشعوب العربية هي لغة التخويف والملاحقة السياسية والاعتقال والبطش، ناهيك عن التحريض والتجهيل؟ يعلم العقلاء ان مشيخات الحكم والدول العسكرية والبوليسية لا تستخدم سوى لغة الهراوة، وتحت هذا العبء الهائل، اضافة للعبء الطبقي الاقتصادي، تنمو جميع الكوارث التي تشمل العنف والارهاب والجريمة.
ختامًا، كيف ستحافظ أنظمة عربية على مركزية القضية الفلسطينية كما تزعم، بينما تقيم علاقات حميمة مع اليمين الاسرائيلي الحاكم وتعزز هذه العلاقات وتزيدها دفئا كل يوم؟ أصلا من المسؤول (المباشر!) عن وجود شيء اسمه القضية الفلسطينية سوى المؤسسة الحاكمة الاسرائيلية التي يهرول لمصادقتها عدد غير قليل من الأنظمة غير العابئة أبدا بمصالح الشعوب بما فيها الشعب الفلسطيني؟
بعض ما ذكره بيان قمة نواكشوط صحيح جزئيًا، لكن السبيل الى تحقيقه هو تغيير الكثير من الانظمة والسياسات والارتهانات والولاءات للأجنبي صاحب الهيمنة والمال والخطط بعيدة (وسيئة) الغايات. هذا هو الشرط الضروري. وسنظل نأمل: اذا الشعب يومًا أراد الحياة...
