قصة الفيتو الأول

single

شباط 1958: الرئيس السوري شكري القوتلي والمصري جمال عبد الناصر يوقعان معاهدة الوحدة بين سوريا ومصر

 

  • مولوتوف أعطى تعليماته لمندوب الاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة آنذاك السيد فيشينسكي باستعمال حق النقض (الفيتو) ضد الاتفاق الفرنسي- البريطاني والسعي لاستصدار قرار بالانسحاب الكامل من سوريا ولبنان فورا

 

لا شك أن الثورة الكبرى التى اجتاحت سوريا في العام 1925، بقيادة سلطان باشا الأطرش كانت أحد الأسباب الرئيسية لنيل الشعب السوري استقلاله وتحرره من الاستعمار الفرنسي عام 1946.
ولكن بين هذين التاريخين جرت في مياه نهر بردى مياه وفيرة. ولم يتوقف الشعب السوري عن  مقاومة الاحتلال. ففي سنة  1935 عم الإضراب العام كافة المدن السورية واستمر لمدة شهرين. وسمي بالإضراب الستيني. وعلى أثره اضطرت حكومة الانتداب الفرنسية إلى اقرار المعاهدة السورية وإجراء انتخابات نيابية وإعداد دستور، لم يدم العمل به  بسبب ظهور بوادر الحرب العالمية الثانية.
 في العام 1943، ونتيجة لظروف الحرب، أعيد العمل بالدستور وانتخب شكري القوتلي، رئيسا لسوريا فيما انتخب الشيخ بشارة الخوري، رئيسا للبنان. وبقيت القوات الفرنسية والبريطانية فارضة سيطرتها على الأمن، بموجب نص في الدستور يسمح للمفوض السامي بالاعتراض على أي مرسوم أو قرار يصدر عن الحكومة أو مجلس النواب. وقد عرفت هذه المادة في الدستور السوري بالمادة 146. وبهذا الوضع شاركت سوريا ولبنان في اجتماعات تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو ووقعتا على الميثاق التأسيسي لجمعية الأمم المتحدة عام 1944.
إلا أن بوادر وضوح انتصار الحلفاء في الحرب العالمية دفع الفرنسيين في سوريا ولبنان الى التراجع عن وعودهم بالاستقلال التام وفرضوا سيطرتهم مجددا على التوجهات الحكومية في كلا البلدين. وبلغت هذه الحملة ذروتها في اعتقال أعضاء الحكومة اللبنانية، مما أثار غضب الشارعين اللبناني والسوري، فاضطر الفرنسيون إلى التراجع وعودة الحكومة اللبنانية.
بالمقابل استشعرت الحكومة والبرلمان السوري بخبث الفرنسيين ومحاولة النكوص عن تعهداتهم فعمدت الحكومة والبرلمان إلى إلغاء المادة 146 من الدستور.
ردا على ذلك قام جيش الاحتلال بتاريخ 29/5/1945 باحتلال البرلمان السوري وغلق أبوابه. ونشبت معركة بين جيش الاحتلال وحامية البرلمان من رجال الشرطة السوريين، الذين استشهدوا جميعا باستثناء واحد فقط. ولم يعرف أنه على قيد الحياة إلا بعد فترة طويلة، فسمي في سوريا بالشهيد الحي.
في هذه الفترة شغل عبد المطلب الأمين، منصب القائم بأعمال السفارة السورية في موسكو. وبعد عدة أشهر من تعيينه طلب الأمين مقابلة وزير خارجية الاتحاد السوفييتي آنذاك، مولوتوف، الذي عرف بأنه صاحب القبضة الحديدية أو، كما يقال بالعامية، "وجهه لا يضحك للرغيف السخن". وكرر عبد المطلب طلبه عدة مرات حتى استجاب لها مولوتوف، بعد أن استفسر عن موقع سوريا  وإرضاء لفضول عبد المطلب.
كان وجه مولوتوف عبوسا عند بدء المقابلة وبادر بسؤال عبد المطلب الأمين: ماذا تريد؟ فأجابه عبد المطلب بابتسامة: إنني باسمي وباسم حكومتي وباسم الشعب السوري أطمئنك وحكومتك وشعبك بأنه ليس لدينا أية مطامع استعمارية في الاتحاد السوفييتي. انفجر مولوتوف ضاحكا ولم يتوقف عن الضحك ويعيد ويسأل عبد المطلب عن قصته ويعاود الضحك. أجاب عبد المطلب: إذا لم يصدمك ما قلته لك عن أطماعنا في الاتحاد السوفييتي، فلماذا تراقبني أجهزة المخابرات السوفييتية ولا تترك لي فرصة للتنفس؟ بعدها بدأت رحلة الصداقة بين الرجلين. وأمر بالتوقف عن مراقبة عبد المطلب. وتوطدت علاقتهما في الحفلات الدبلوماسية التي جمعتهما. وكان مولوتوف يطيب له الجلوس مع عبد المطلب، وهو الشاعر والأديب والراوي، بالعربية والفرنسية.
في الوقت ذاته تولى الأستاذ فارس الخوري، والد الكاتبة السورية المشهورة، كوليت خوري، رئاسة الوفد السوري في الأمم المتحدة. وكان، أيضا، يتمتع بخفة الدم والنكتة المعبرة، وأظهر براعة متميزة في الحوار.
وفي إحدى جلسات مجلس الأمن، لدى مناقشة قضية استقلال سوريا ولبنان، فوجئ الجميع بجلوس فارس خوري على المقعد المخصص للمندوب الفرنسي، الذي انتظر عدة دقائق وهو ينظر إلى فارس الخوري، مطالبا إياه أن يخلي المقعد المخصص له. وهنا وقف فارس الخوري مخاطبا المجلس: لقد احتللت المقعد الفرنسي لعدة دقائق فضاق ذرعا. فكيف يتحمل الشعب السوري 25 عاما من الاحتلال؟ أما آن الأوان لهم أيضا إعطاؤنا مقعدنا في العالم؟
وفي مداخلة أخرى حول وجود القوات الفرنسية والبريطانية في سوريا وأيهما يجب أن ينسحب أولا من سوريا، روى فارس الخوري القصة التالية: أن أحد مراقبي الطرق مر ليلا بطريق حيث وجد فانوسا مضيئا فوق كومة من الحجارة، فسأل عن سبب وجود الفانوس، فقيل له لتنبيه السيارات من الحجارة. ولما سأل لماذا الحجارة  موجودة، فأجيب: لتسند الفانوس. فكان المعنى مفهوما وواضحا لعدم ضرورة كلتا القوتين في سوريا.
نتيجة الصداقة التي توطدت بين مولوتوف وعبد المطلب أباح مولوتوف لزميله بالاتفاق الذي أبرمه وزيرا خارجية كل من فرنسا  وبريطانيا (بيدو وبيفن) بتاريخ 13/12/1945 والذي بموجبه تبقى القوات الفرنسية والبريطانية في سوريا سنتين إضافيتين على الأقل، ومن ثم ينظر في أمر انسحابهما لاحقا. وهنا طلب عبد المطلب من صديقه مولوتوف إفشال الاتفاق لدى بحثه في مجلس الأمن. وأجابه مولوتوف : لن يخيب ظنك. وأعطى تعليماته لمندوب الاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة آنذاك السيد فيشينسكي باستعمال حق النقض (الفيتو) ضد الاتفاق الفرنسي- البريطاني والسعي لاستصدار قرار بالانسحاب الكامل من سوريا ولبنان فورا.
وهكذا كان. فقد استخدم الاتحاد السوفييتي الفيتو الأول في الأمم المتحدة بتاريخ 16/2/1946، وفي اليوم ذاته صدر قرار بالانسحاب الكامل من الأراضي السورية واللبنانية وتم انسحاب الفرنسيين من سوريا بتاريخ 17/4/1946 ومن لبنان في 22/11/1946.

قد يهمّكم أيضا..
featured

صرعة السياسة الشخصيّة، وأفول الأيديولوجيا

featured

الرفيقة العزيزة دنيا عباس

featured

حيفا على العهد

featured

لإخراس نعيق براك العدواني

featured

صفحات من تاريخ شفاعمرو: مقتل صالح أفندي المحمد شبل

featured

وحدة المقموعين تكسر قامعيهم