سانشو

single

اعتقد انكم تعرفونه معرفة عميقة او معرفة سطحية او كما جاء في المثل الشعبي: "صباح الخير يا جاري انت في حالك وانا في حالي." وربما التقيتم به مصادفة في النادي او الملعب او المسرح او المقهى او دار البلدية او في سهرة عند صديق مشترك، وقبل ان تسألوني عنه، وقبل ان يصبح الموضوع احجية اعرفكم به فهو سانشو احد ابطال رواية "دون كيشوت" او البطل الثاني فيها وهي رواية خالدة للروائي الاسباني ميغيل دي سرفانتس (1547-1616م) هذه الرواية التي حازت شرف ان تكون اول رواية حديثة وقد ترجمها الى العربية ترجمة كاملة جاءت بمجلدين الاستاذ سليمان العطار وصدرت عن المجلس الاعلى للثقافة في مصر في عام 2002 بعنوان "الشريف العبقري دون كيخوتي دي لامانشا- الشهير بين العرب باسم دون كيشوت". ومن الجدير ذكره ان الكاتب الكبير سرفاتس مات في العام نفسه الذي مات فيه الشاعر المسرحي الكبير وليام شكسبير وما زال كلاهما حتى اليوم يتصدران عالم الابداع ، الاول  يتصدر عالم الرواية والثاني يتصدر عالم المسرح.
نجح سرفانتس في هذه الرواية في ان يسخر من كل شيء حتى الكنيسة ومحاكم التفتيش في سرد ساحر يهز سلطان هذه المؤسسة الدينية الطاغية. ويقول المترجم في مقدمة الكتاب "انها السخرية التي تحفر حدودا بين الزيف والحقيقة ويطلقون عليها المفارقة التي تحول السخرية دائما الى نكتة فضحكة فسعادة".
سانشو او سانشو بانثا هو تابع دون كيشوت وخادمه ورفيقه في المغامرات الوهمية يقول ما يريده سيده وما يرضيه، ويفعل ما يأمره سيده ويرضيه ايضا وان كان يعرف ان ذلك وهم وخيال ولكنه امّعة لا رأي له ولا موقف له.
يعرف سانشو الحقيقة ولكن ارضاء لسيده دون كيشوت يتنازل عنها بسرعة ويردد كالببغاء ما يقوله سيده.
امتطى سانشو حماره تعروه الرغبة الجامحة في ان يرى نفسه حاكما لجزيرة كما وعده سيده وقد بلغت تبعيّة سانشو الذروة عندما تحوّل طشت حلاق الى خوذة فارس والى احداث لا حصر لها عبر التحولات بين الواقع وبين الخيال.
هذه الشخصية الطريفة التي خلقها خيال وقلم الكاتب ميغيل دي سرفانتس يشفق القارىء عليها ويعطف عليها ويسخر منها ويحبها ويتضامن معها احيانا ويغضب منها احيانا اخرى وهي تضحكه ملء صدره وتخفف من همومه.
في مجتمعنا، في هذه الايام، نلتقي بسانشو في مناسبات عديدة وفي اماكن عديدة فهناك سانشو في الحياة الثقافية وسانشو في الحياة السياسية وسانشو في الحياة الاجتماعية وسانشو في.. وسانشو في..
ولكن هذا السانشو العصري لا نشفق عليه ولا نعطف عليه ولا نتضامن معه ولا نحبه لانه تافه وغبي وانتهازي.
لكل شاعر كبير في زماننا سانشو.
ولكل صحافي بارز سانشو.
ولكل رئيس بلدية سانشو.
ولكل قائد سانشو.
سانشو الكاتب سرفانتس في رائعته الخالدة يعرف حدوده واما سانشو هذا الزمن فيعتقد انه على بعد "شربة سيجارة" ليكون امير الشعراء و"هيكل" الصحافيين وامام المفكرين وعمدة العمد والقائد الفذ.
وعلى الرغم من صفات هذا السانشو العصري فانني ابتسم كلما شاهدته.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"دِيمُو - كَرَاسِي" مْعَمَّر الچَذّافي..!

featured

سوريا تريد السلام. اسرائيل تريد الجولان

featured

ليس بالتبادل وحده تقوم الصفقة!

featured

عهر إسرائيل النووي

featured

الاستيلاء على البيوت والعقارات العربية في عكا، فهل الدور اليوم على الناصرة؟!

featured

عشرة يوروهات فقط لا غير

featured

هل تنزع روسيا "القفازين الناعمين" في سوريا؟

featured

رفض لملاحقة أجهزة "حماس" الرفيق وليد العوض