ليس بالتبادل وحده تقوم الصفقة!

single

• مصالح الأطراف تشابكت، وإن بدت للوهلة الأولى متناقضة، فدخلت عناصر جديدة الى صفقة التبادل بين اسرائيل وحركة "حماس" بقصد "اعادة ترتيب الأوراق" في المنطقة. هذه بعض الدلالات غير المعلنة للصفقة!

//

1
الثمن: ايران


يبدو ان صفقة التبادل بين اسرائيل وحركة "حماس" اخذت منحى آخر يتجاوز المفصوح عنه اعلاميًا. فالصفقة التي جرى التوقيع عليها من خلال دور أوروبي فاعل متمثل بألمانيا ودور مصري أكثر تأثيرًا، تتعدى كونها صفقة تبادل يجري خلالها اطلاق سراح ألف أسير فلسطيني من سجون الاحتلال الاسرائيلي مقابل الافراج عن  الجندي الاسرائيلي المأسور، غلعاد شاليط.
عناصر جديدة - قديمة ساهمت في اخراج الصفقة الى حيّز التنفيذ، وهي التي حسمت مصيرها على ما يبدو، وهي عناصر تتداخل فيها مواقف ورؤى ومصالح الأطراف العربية والفلسطينية والاسرائيلية والأوروبية والأمريكية، وإن بدت للوهلة الأولى متناقضة. بهذا المعنى فان "الصفقة" – الاتفاق الموقع - أقرب الى "اعادة ترتيب الأوراق" – اذا جاز التعبير – ليس على المستويين الفلسطيني والاسرائيلي فحسب، بل ضمن حالة جارية لترتيب أوراق المنطقة اقليميًا.
ضمن الصفقة الجديدة، خرجت كل الأطراف، على ما يبدو، راضية. او تمتلك، على الأقل، نقطة ارتكاز تتيح لها تبرير توقيعها وتفسير دلالاته ومكاسبه. والحديث يجري على النحو التالي:

• أولاً: حركة "حماس" حصلت على موافقة اسرائيلية باطلاق سراح ألف أسير. وستحصل، لاحقا، على انجاز لا يستهان به من خلال "فك عزلتها" الدولية عبر اعتراف اوروبي بها كحركة سياسية شرعية. هذا ما جرى التداول به. والخطوة التالية ستكون اخراج "حماس" من "قائمة تصنيف الإرهاب" حسب وجهة النظر الأمريكية. وهناك محاولات جارية بهذا الاتجاه. وواضح ان "حماس" بحاجة الى هذه الخطوة لتثبيت شرعيتها، الأمر الذي سيفتح لها المجال واسعًا للتحرك السياسي والدبلوماسي، دوليًا وعربيًا واقليميًا، خاصة وان قراءة "حماس" للواقع العربي الجديد هي قراءة واقعية، وهي، كحركة، تتمتع بقدر كبير من البراغماتية، وبالتالي هي معنية بتكييف ذاتها مع الواقع الجديد وتداعياته وافرازاته، التي أثّرت عليها سلبًا، خاصة في اعقاب الأحداث الجارية في سوريا وحالة الفوضى هناك والتي تشي باضعاف الدور السوري في المنطقة. وهذا ما يفسّر التقارب "الحمساوي" الحاصل مع النظام المصري الجديد.
• ثانيًا: تخفيف الحصار عن قطاع غزة وتسهيل عمل المعابر، والسماح بتنفيذ مشاريع اعادة اعمار قطاع غزة. وهذا مطلب فلسطيني عام سيكون في أولويات أية حكومة فلسطينية جديدة.
• ثالثًا: "حماس" عليها ان "تدفع فاتورة" فك عزلتها عالميًا. والمطلوب منها، أوروبيًا ومصريًا، سحب معارضتها على تسمية رئيس الوزراء الفلسطيني الحالي، د. سلام فياض، والموافقة على تنصيبه على رأس "حكومة المصالحة" القادمة. ويبدو ان "حماس" تسير بهذا الاتجاه. فهذا المطلب هو مطلب أوروبي وأمريكي، قبل ان تعلنه حركة "فتح". والوساطة الألمانية – الفرنسية، التي شهدناها قبل عدة شهور، ارادت ضمان ذلك، في حينه، من خلال اتفاق متكامل ضمن "صفقة التبادل". ونقطة الارتكاز في "اقناع" حركة "حماس" تأتي من جانب الطرف المصري الذي بات يؤثر على الساحة الفلسطينية بشكل كبير. في حينه (قبل عدة شهور) تم تأجيل "لقاء القاهرة" بين الرئيس الفلسطيني، محمود عباس وبين رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، خالد مشعل، الى حين تبلور الموقف النهائي من هذا الموضوع. بهذا المعنى فان هذه المسألة ليست بجديدة. وجرى التداول فيها طوال الوقت.

• رابعًا: اسرائيل ليست بالطرف المتفرج. ولا تعطي موافقتها دون مقابل. وفي سبيل تحقيق ذلك فان ما طُرح عليها، ضمن هذه الصفقة، وضعها في موقف حرج في حال رفضته. ما تم طرحه على اسرائيل، منذ وقت، هو ان تشمل الصفقة اطلاق سراح الجاسوس الاسرائيلي، يونثان بولارد، الذي يقضي محكوميته في السجون الأمريكية، الأمر الذي سيعتبر مكسبًا كبيرًا لحكومة نتنياهو.
قرأنا، قبل شهر تقريبًا، انباء صحفية تحدثت عن امكانية موافقة الرئيس الامريكي باراك أوباما على التوقيع على مرسوم يصدر فيه العفو العام عن بولارد. وقيل في حينه انه الرئيس الامريكي الوحيد تقريبًا الذي قد يخاطر ويتخذ مثل هذا القرار. عندما قرأنا ذلك تبادر الى ذهننا ما كان قد طُرح في مداولات صفقة التبادل، وبالتالي توقعنا تحركًا ما على هذه المسألة.
كذلك تريد اسرائيل اغلاق الباب، نهائيًا، أمام التوجه الفلسطيني الى مجلس الامن، من خلال "خلق أجواء" تتيح العودة الى المفاوضات، تعمل على تهيئتها حاليًا فرنسا وألمانيا ومصر، وبتوجيه من الإدارة الأمريكية. و"الاجواء" التي نقصدها تهدف بالأساس الى الضغط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس بسحب طلبه الى مجلس الامن، وبدعم اوروبي هذه المرة، للحيلولة دون "احراج" الادارة الامريكية في المنطقة من خلال "تخليصها" من ورطة الفيتو. واذا لم تنجح "الضغوطات" فان الموقف الاوروبي سيتوحّد في تعطيل الخطوة الفلسطينية. وهذا ما تريده اسرائيل.
• خامسًا: الموقف من ايران. وهو ما حدد الموقف الاسرائيلي من الصفقة وتقديم ما وصفته اسرائيل بانه "التنازل الأكثر إيلامًا". اسرائيل، من خلال هذه الصفقة، حاولت ان تضمن التأييد الاوروبي والامريكي للتحرّك ضد ايران. فرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو ووزير "الامن" الاسرائيلي، ايهود براك، لم يتركا أية مناسبة إلا واستغلاها للتحذير والترهيب من "الخطر الاستراتيجي" الذي يواجه اسرائيل في المنطقة، وهو الخطر الايراني. وعندما تحدث نتنياهو، في خطابه، بعد اعلان الصفقة (مساء الثلاثاء الماضي) عن "المتغيرات الاستراتيجية" وعن "امكانية اغلاق نافذة الفرص" امام اسرائيل، فانه لم يقصد، بالتأكيد، ما اصطلح على تسميته بـ "الربيع العربي"، انما كان قصده، تحديدًا واساسًا، ايران. هو، بهذه الصفقة، أعاد فتح "نافذة الفرص" في التعاطي الاسرائيلي والدولي والامريكي الذي تريده اسرائيل مع ايران.

 

2
هل حقًا غابت امريكا؟


واضح تمامًا ان الإدارة الأمريكية تقف وراء هذا الاتفاق الجديد، وان بدت، في الظاهر، بعيدة عن تفاعلات الوساطة. وادارة أوباما معنية، اكثر من غيرها، في اعادة الإسرائيليين والفلسطينيين الى مربّع المفاوضات. ولا يضير الرئيس الأمريكي، الذي اعلن نفس الموقف في خطابه الأخير أمام الكونغرس، اعطاء الجانب الفلسطيني ضمانة امريكية خطية رسمية تفيد بأن حدود الرابع من حزيران ستكون اساسًا للمفاوضات بحسب وجهة النظر الأمريكية، وبالتالي منح الفلسطيني "تأشيرة" القبول بالعودة الى المفاوضات ارتكازًا على "الضمانة" الأمريكية، وبموافقة من حركة "حماس". فموقف "حماس" هو عدم معارضة العودة الى مسار المفاوضات وقبول أي اتفاق يتم التوصل اليه شرط قبوله في استفتاء شعبي فلسطيني سيجري عندما يحين وقته. أما الجانب الاسرائيلي فسيحصل على "ضمانة أمريكية" من نوع آخر: حق اسرائيل في الحفاظ  على حدود آمنة!. وهنا "بيت القصيد". كل طرف يفسّر "الضمانة الأمريكية" وفقًا لمصالحه ومواقفه، في حين ان "لعبة الضمانات" تحمل تناقضاتها في تفسير المعنى!
والموقف الاسرائيلي، الذي بدَا دائمًا اكثر تصلبًا ورفضًا، حسم أخيرًا موقفه باتجاه صفقة من هذا النوع، وهو بذلك التقى أيضًا مع المصلحة الأمريكية في المنطقة.
هذا هو السيناريو الذي ستشهده المنطقة لاحقًا. ويبدو انه كان الأوفر حظًا في اخراج الصفقة الى حيّز التنفيذ.

 

3
مروان البرغوثي واحمد سعدات


القناة الثانية الاسرائيلية كانت أول من نشر بان الصفقة ستشمل ايضًا اطلاق سراح مروان البرغوثي واحمد سعدات. وواضح ان القناة لا يمكن ان تنشر شيئًا لم تكن متأكدة منه. لا بل اكثر من ذلك: اعرف، قدر المعرفة، ان هذا الخبر صدر عن مصدر في مكتب نتنياهو. هذا مؤكّد!
بعد القناة الثانية، نشرت القناة العاشرة الخبر. وبعدها القناة الأولى. وواضح ان القناتين، العاشرة والأولى، لم تنشرا الخبر نفسه اعتمادًا على القناة الثانية، انما بعد التأكد من مصادر مطلعة. والمصدر هو ذاته: يجلس في مكتب رئيس الحكومة الاسرائيلية.
الخبر لم يكن صحيحًا. لكن لماذا أصرّ مكتب نتنياهو بان تتضمن نشرات الاخبار الاسرائيلية هذه "الكذبة البيضاء"؟ وما هي "اللعبة" التي اراد نتنياهو ان يلعبها، وفي هذه المرة في ملعبه هو؟
نتنياهو اراد استدراك الموقف الذي كان يخشاه: أن توجّه اليه انتقادات بانه قدم تنازلات للفلسطينيين وبانه كان ضعيفا في هذه الصفقة. لذلك حاول استباق الاحداث من خلال اشاعة خبر اطلاق سراح مروان البرغوثي واحمد سعدات، ومن ثم بعد ثلاث ساعات قام رئيس "الشاباك" بنفي الخبر. وهكذا خرج نتنياهو بالصورة التي يريد: هو، نتنياهو، ما زال الشخصية التي لا تقدم  اي تنازل للفلسطينيين، مواقفه صلبة لم تتغيّر..!
هذه "لعبة" ابعد ما تكون عن المنطق. لكن هذا هو منطق نتنياهو: استغلال الاعلام لتحسين صورته، حتى لو كانت الفبركة هي "اللعب" في عواطف ومشاعر عائلات فلسطينية وجمهور فلسطيني كامل كان ينتظر ان تتضمن الصفقة اطلاق سراح البرغوثي وسعدات.
لكن، لماذا لم تتضمن الصفقة الافراج عن البرغوثي وسعدات؟ هذا سؤال آخر على "حماس" ان تجيب عليه.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الجريمة والمسؤولية

featured

ماذا يعني قرار ضم الاراضي في شمال الضفة؟

featured

الشيخ الطنطاوي والشيخ القرضاوي.. والشيخ جراح

featured

المراهنة على دب العافية في شرايين الاقتصاد الاسرائيلي المأزوم بعد عامين!!

featured

جدلية الهوية بين اختلاف الزمان والمكان

featured

الموت البشع والموت الجميل!!

featured

يوليو و.. يوليو!