يستهلك أعصابنا هذا الحوار الاعلامي العصبي حول فتاوى الشيخ محمد سيد طنطاوي والشيخ يوسف القرضاوي، وانقسام الكتاب وتحولهم الى فقهاء شرعيين وعلماء في الدين يفتون بما لا يعرفون حول الجدران التي لا تبنى بفتوى ولا تهدم بفتوى، بل بقرار سياسي مدعوم بالكتل الاسمنتية أو الألواح المصفحة.
وبينما نضيع في التفسير والتفسير المضاد لفتاوى الشيخين الطنطاوي والقرضاوي، ينشغل الصحفيون والكتاب الاسرائيليون بما يحدث في "الشيخ جراح"، ولا ينقسمون في ادانتهم لبطش الشرطة، واعتقال سبعة عشر ناشطا اسرائيليا تظاهروا ضد الاستيلاء على منازل الفلسطينيين في هذا الحي العربي في القدس.
رصدت أمس سبع مقالات في صحف "هآرتس" و"معاريف" و"يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية تدين اعتقال المتظاهرين، وتشيد بقرار المحكمة الافراج عنهم واعتبار تظاهرتهم عملا منسجما مع القانون، بل ان افتتاحية هآرتس اعتبرت التظاهر تعبيرا عن تمسك المتظاهرين بأداء واجبهم المدني.
نفهم بالطبع أن الاعلام الاسرائيلي منحاز للاحتلال، ونعرف أن الصحافة الاسرائيلية ليست معنية بحقوق الفلسطينيين في القدس أو في غيرها من المدن المحتلة، لكننا ندرك أن مخرجات هذه الحملة الاعلامية الاسرائيلية تخدمنا، وأن الضغط على الشرطة ودعم المتظاهرين يخدم موقفنا ويجسد اسنادا لموقف المواطنين الفلسطينيين الذين طردهم الرعاع من منازلهم في القدس.
قد لا تؤدي التظاهرات الى نتيجة عملية، ولكن استمرارها، من وجهة نظرنا، ضروري لتسليط الضوء على جرائم الاحتلال. أما الصحافة الاسرائيلية فانها معنية باستمرار هذه التظاهرات، لأنها، من وجهة نظرها، دليل عافية لـ "الديمقراطية الاسرائيلية" التي ترفض اعتداء الشرطة على حقوق المواطن الأساسية.
لذا يتواصل الهجوم الاعلامي الاسرائيلي على اجراءات شرطة القدس، وتتواصل الحملة الاعلامية للدفاع عن حق المواطن الاسرائيلي في التظاهر، حتى لو كان ذلك في اطار مغاير أو مناقض لسياسة الدولة. هذا ما يشغل الصحفيين الاسرائيليين الآن، بينما ينشغل الصحفيون والكتاب العرب في الدفاع عن حق الأنظمة وأجهزتها الشرطية والأمنية في قمع الناس، وعن حق ولاة الأمر في توزيع صكوك الغفران، وعن حق النظام السياسي العربي في التفرد بقرار الحاضر والمستقبل، ولو كان هذا القرار يمس أرواح الناس وحريتهم ومصادر رزقهم.
انهم ينشغلون الآن بقضيتنا في "الشيخ جراح" ونحن ننشغل بقضية فتاوى شيخين يمثلان جناحين في النظام العربي يختلفان في كل شيء ويتفقان علينا!
نحن عرب وما يصيب أشقاءنا في أي قطر عربي يصيبنا، لكننا أيضا نملك أرواحا لها أجنحة وتستطيع التحليق في الفضاء الواسع بعيدا عن حصارات الأنظمة وفتاواها.
* * *
صوت الفلسطيني
أبدع الفنان محمد سباعنة في رسمه الكاريكاتيري المنشور في "الحياة الجديدة" يوم السبت، حين تناول فتوى لمستشيخ تعتبر صوت الفلسطيني عورة. قد يظن البعض أن سباعنة عمد إلى المبالغة في وصف الحالة، وفي تصوير مواقف كهنوت الأنظمة من الفلسطيني ومن قضيته التي تحولت إلى مجرد مصدر إزعاج لأنظمة تنام في العسل. لكن الواقع يؤكد ما ذهب إليه الفنان، ومن يرصد الفتاوى التي تطالب الفلسطيني بالانتحار، والفتاوى التي تدعو الفلسطيني لمباركة الحصار، والفتاوى التي تعتبرنا نبتا شيطانيا يعكر الصفو والهدوء في منطقة تنام على تحليل الاحتلال وتصحو على تحريم التحرير... من يرصد هذه الفتاوى يدرك كم هو واقعنا صعب في هذا البر العربي المستكين.
شيوخ الأنظمة يعتبرون صوت الفلسطيني عورة. وبعض شيوخنا يعتبرون صوتنا عورة حين نطرح السؤال الصعب عن الوحدة وشروط المقاومة والمجتمع الذي نريد. لكننا تعودنا على هذه الفتاوى، وصرنا قادرين على توقعها قبل النطق بها، لأن الإفتاء يوظف الآن في المشروع السياسي المعاكس، ويؤدي مهمة خطيرة في الحرب التي تستهدف القضاء على الهوية الوطنية الفلسطينية. لذا يظل صوتنا مستهدفا بالخنق وبالكتم وبالتغييب وبالتشويش.
ربما لا تعنينا فتاوى شيوخ اللحمة، ولا يهمنا هذر المستشيخين في معسكري "الاعتدال" و"الممانعة". لكننا معنيون بصوتنا، وبما يعبر عنه هذا الصوت في التصريح السياسي وفي المقال الصحفي... وفي الحرب التي لم تتوقف لحظة واحدة، وهي حرب الحفاظ على المشروع الوطني.
صوتنا أكثر أهمية من فتاواهم، وما زال الصوت الفلسطيني هو الأقدر على الوصول إلى كل جهات الأرض، بغض النظر عن رداءة الواقع السياسي... ولأن الواقع السياسي على هذه الدرجة من السوء والرداءة لا بد من توجيه الصوت الفلسطيني في مساره الصحيح.
معركة الصوت بدأت في الوسط الاعلامي، وهي معركة لم يتبين الكثير من ملامحها، لكننا نستشعر خطورتها حين نلحظ محاولة بعض المسؤولين الدخول على خط الانتخابات، وترشيح رجالهم لقيادة الجسم الصحفي الفلسطيني، من خلال نقابة الصحفيين.
نعرف أن لا مكان للمستقلين في هذا الصراع، لكننا نذكر فقط بأن تجربتنا وتجربة شعبنا مع المسؤولين لم تكن مريحة، ولم تتزين بالانتصارات. لذا نأمل ألا تكون نتيجة انتخابات نقابة الصحفيين هزيمة جديدة.
