تراكتورون الموت

single

حكمت المحكمة المركزية في الناصرة يوم الثلاثاء الماضي، على الشاب أسعد شبلي، من سكان قرية الشبلي، بالسجن الفعلي لمدة تسعة أعوام، بعد أن أدانته بالتسبب بقتل الفتاة تال زينو ابنة التسعة أعوام من سكان بلدة كفار تابور.

حادثة القتل تمت بعد أن قاد هذا الشاب "تراكتورون" بدون رخصة وبطريقة شكلت خطراً على سلامة الجمهور في شارع عمومي.

مما لا شك فيه أن الكثيرين من القراء سمعوا بنبأ الإدانة والحكم ولم يعيروه ولو دقيقة تفكير واحدة، فالحادثة وقعت بعيداً عنهم، ولا علاقة لهم بالمدان والضحية فتاة اسمها تال زينو ابنة التسعة أعوام لا تعني للأكثرية شيئاً حتى لو تمتم البعض داعياً لها بالرحمة من باب استحواذ العادة والروتين الخالي من المشاعر والوقفة الإنسانية الحقيقية.

أشارت قلة أن الحكم الصادر هو حكم جائر وذلك لأن المتهم عربي والضحية يهودية، وأقول إن من حاول أن يحمِّل هذا الموضوع ما لا يحمله، من عنصرية لدى القاضي في المحكمة المركزية يخطئ مرتين. فهو أولاً لا يعي أن هذا الطيش وما اقترفه السائق أودى بحياة فتاة رحلت وتركت أهلاً وأصدقاءً تأكلهم الحسرة والحزن، وثانياً يجتهد ليبرر ما فعله هذا السائق، وما فعله جريمة لا يجب أن نفتش لها عن أي تبرير ومهما كان الحكم قاسياً يجب أن نرى أن بالمقابل خلًَف هذا الشاب جثة لفتاة في مقتبل العمر. 

اكتب في هذا الشأن، لأننا نعيش في بلداتنا آفة هذا التسيب الخطير بشكل يومي فلا بلدة تخلو من هؤلاء الفتية المستهزئين بحيواتهم وحيوات الآخرين، فنجدهم في كل ساعات النهار والليل يركبون هذه الآليات ويستعرضون "مهاراتهم" في الشوارع العامة، غير آبهين لتعريض كل من يستعمل هذه الشوارع للخطر، علاوة على الضجيج والإزعاج الذي تسببه هذه الآليات وتقض مضاجع السكان، جميع السكان.

نحن بصدد ظاهرة مقلقة، مزعجة وخطيرة لكنها قابلة للحل والمعالجة، فبداية نسأل أين أهل هؤلاء الشبان؟ هل يعقل أن "يمتطي" الواحد منهم هذه المركبة، يديرها ويسوقها في رحلة الموت الأكيد أو المؤجل دون أن يعرف أحد من عائلته؟ ولماذا تغض هذه العائلة الطرف عن تصرفات ابنها؟ هذا إذا لم تشجعه في بعض الأحيان مباهية بـ"قدراته" و "فروسيته".

ثم نسأل أين الشرطة التي تتواجد على الشوارع وكثيراً ما يمر عنها هذا الراكب وأحياناً يحيي ويمضي! لماذا لا تأخذ هذه الشرطة دورها وهي قادرة في يوم وليلة أن تصل إلى جميع هؤلاء وليأخذ القانون مجراه. أجوبه كثيرة على هذا التساؤل، تبدأ من نظرية المؤامرة وغض طرف الشرطة عن شيوع هذا التسيب في مطارحنا، وتنتهي بوجود النية لديها وقصر اليد لانعدام الإمكانيات والفرص. يبقى الحال هو الحال، فمهما كانت الأسباب وتعددت نستطيع، برأيي، نحن في مجتمعاتنا أن نتصدى لهذه الظاهرة ونوقفها.

لقد دفعت عائلة زينو ثمناً سيتركها في حرقة ولوعة ولا نتمنى لأي عائلة أخرى أن تدفع هذا الثمن، وها هو شاب في مقتبل العمر سيمضي بضع سنوات وراء القضبان ويترك أهلاً يتأسون على حياة فتاة ضيعها ابنهم، وعلى ابن لو مُنع في الوقت المناسب وردع لتخرَّج من مدرسة وجامعة بدل أن يتخرج من سجن.

وإن كنا نتحدث عن ظاهرة ركوب "التراكتورون" فالقضية أكبر من هذا وأعم. وباعتقادي أن هذا الشر ليس مكتوبا ً علينا ولا يجدر بنا أن نقبله كواقع ولعنة نصلي ألا تصيب أعزاءنا. القضية قضية هذا الصمت المستفز من مجتمع يجمع على خطورة هذه الظاهرة، ومثلها ظواهر أخرى، ولا يعلي صوتاً ولا يحرك ساكناً.

فنحن كمجتمع نملك الحق بأن ندافع عن ما يضيرنا ويمسنا بشكل مباشر ويومي، شريطة أن تتوفر بداية العزيمة والنية وثم الإيمان بأن التكافل والعمل الجماعي من شأنهما أن يضمنا القضاء على ظواهر تمس كل واحد من أبناء هذا المجتمع، أو على الأقل الحد من مخاطرها.

فما المانع وفي كل قرية يعرف الأهل والسكان من هم هؤلاء العابثين والمغامرين، أن تتوجه مجموعات إلى بيت صاحب هذه المركبة ليطالبوا أهله بتوقيفه ومنعه من ممارساته الخطيرة؟ وما المانع إذا لم يسعف هذا الإجراء أن تقدم شكوى رسمية للشرطة لتتدخل وتمنع هذا الخطر الأكيد؟ وما المانع أن يكون هذا باسم البلدة جميعها، دون تهرّب من هذا وتمنّع من ذاك، بحجة الاستعفاء ودرءاً للإشكال والصدام مع صاحب الشأن وأحيانا ً أهله العابثين مثله.

إن السكوت عن هذه الظاهرة ومثيلاتها يشجع هؤلاء ويخلق مناخا ً تنقلب فيه القيم فقيادة هذا التراكتورون بهذا التهور وفي  شوارع غير معدة لذلك، تصبح مفخرة وأداة للتباهي "والعنفصة" وأحيانا ً مقياساً لـ"رجولة" هذا السائق وجرأته ويتحول الناهي والمحذر إلى خائب وجبان وكلما أوغلنا في الصمت وغض النظر كلما تمادى الشر والعابثون بحياتنا وراحتنا وسلامة أبنائنا.

لا تخلو بلدة من العقال المسؤولين المتعلمين النيرين فلماذا لا يبادر لإنشاء مثل هذه المجموعة أو عدة مجموعات تعمل لهذا الهدف (هنالك تجارب في ميادين أخرى مثل الجمعية لمكافحة الهوائيات في كفرياسيف وقرى أخرى .....). 

الحل ممكن وفي متناول أيدي الجميع وبدايةً على الآباء أن يسارعوا بالتخلص من هذه الآليات، كي لا يعرضوا أبناءهم لهذا الإغراء وهذه التجربة. وكذلك أقترح أن تقوم مدارسنا بتخصيص ولو حصة تربية واحدة للتحدث فيها عن هذه الآفة وضحيتها في هذه المرة، فتاة أسمها تال زينو، التي رحلت وعسى أن يكون موتها فداءاً لأترابها من شر هذا البطر وهذا الاستهتار. 

وأخيراً الأولى بمجالسنا المحلية أن تنشط وتبادر لمكافحة هذه الظاهرة ولكن حتى وإن تقاعست هذه، لا يعني هذا أننا كمجتمع معفون من تحمل المسؤولية الجماعية، بما يتيحه القانون وتمليه سلامتنا، وآليات ذلك في متناول اليد ولا ينقصنا إلا أن نتذكر أن أقدس القيم كانت وما زالت حياة الإنسان منا، وكفيل هذا أن نتأسى لموت تال زينو كما لو كانت واحدة من أعزائنا.
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

تحالف قوى الرجعيّة مع المحافِظة

featured

لا للاستيلاء على الشاطئ..

featured

رافعة سياسية لتركيا

featured

خطأ مطبعي ايجابي وجميل في "الاتحاد"

featured

الحقول البحرية الجديدة

featured

حذار من تخريب المصالحة!

featured

"الإخوان".. إنقلاب على الثورة