عندما يغيب التميز

single

من بديهيات العمل السياسي الحزبي تحديد الأهداف ووضع البرامج التي من شأنها أن تحقق ما يؤمن به هذا الحزب. ولإنجاح هذا يتوجب تحديد التناقضات أو الأخطار التي تواجه المجتمع الذي ينشط هذا الإطار السياسي أو ذاك على ساحته.

في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 التناقض الأول هو مع الاحتلال، ومقاومة وإزالة هذا الاحتلال تبقيان الهدف الأول والرئيسي. هناك يتوجب انبثاق برامج العمل الخاصة بالفصائل والأحزاب الفلسطينية من هذا الإقرار ويتوجب كذلك إخضاع كل تناقض أو اختلاف بين هذه الفصائل ليبقى ويخدم مصلحة الهدف الأول والأهم وغير ذلك يؤدي، سواء عن قصد أو بدونه، خدمه للاحتلال وإطالة عمره وبقائه جاثما على صدور أبناء الشعب الفلسطيني.

أما عندنا، داخل حدود دولة إسرائيل، فالوضع يختلف. نحن وإن كنا نؤمن بوجوب إزالة الاحتلال وإنهائه ونعمل من مواقعنا من أجل تحقيق ذلك، إلا أننا نعيش كأقلية قومية ظروفاً استدعت، وما زالت تحديد التحديات والأهداف وفقا لما حتمه واقعنا ولما أفرزه من مخاطر جسام وما استدعاه واقع الحال من رؤى ومفاهيم صورت وعكست ما أراده السياسيون الأوائل، الذين نشطوا بين ظهراني هذه الأقلية، لمجتمعنا ولمستقبله.

لا حاجة ولا هامش هنا لاستعراض تاريخ الحركات السياسية التي عملت وأثرت في تكوين قوام هذه الأقلية وقيل في هذا الكثير وكتب عنه من كل باب وجهة.

ما أود إثارته هنا، وتكملة لما أكتب فيه وعنه في الأسابيع الأخيرة، يتعلق، برأيي، بأداء القيمين وقيادات الأحزاب والحركات السياسية العربية الأساسية التي تشارك والتي لا تشارك في عملية الانتخابات للكنيست.

للوهلة الأولى وللناظر من بعيد يبان أن هذه الأحزاب متفقه على تحديد المخاطر والتناقضات التي يعيشها مجتمعنا وأن الخلافات التي بينها لا تتعدى كونها هامشيه أو تكتيكيه، يختبئ وراءها سعي كل حزب لمضاعفة عدد مصوتيه ليفوز بمقعد إضافي في الكنيست أو ليتسلح بادعاء على انه القوه الأكبر بين الجماهير العربية.

باعتقادي، إن أكثر ما يرسخ هذا التصور ويساعد على انتشاره أساليب عمل هذه الأحزاب، لا سيما من خلال ما يؤطرها مجتمعة في أطر، كلجنة المتابعة العليا ولجنه الرؤساء وكل ما أفرزته تلك الحقبة من تاريخ هذه الجماهير والتي حتمت إقامة مثل هذه الأطر والتنظيمات.

هناك دوامه وكثير من الضباب، الذي يحجب حقيقة هذا الواقع وكنتيجة لهذا تضعف قوى وتستقوي قوى أخرى. فعندما يتماهى التميز ويغيب الاختلاف تتحكم الشعارات الخفاقة ويهرول الإنسان العادي وراء عاطفته وغضبه على ما هو قائم وان أضفنا إلى ذلك سوء الحال الاقتصادي وتفشي البطالة واستشراس العنصرية وما إلى ذلك تتحول السماء إلى ملجأ آمن ومن يتحدث باسمها وبالنيابة عنها إلى موئل ومرجع ومرجعية.

وعندما تتلاشى أهمية موقعنا تختلط علينا المحظورات والمسموحات ويسود الاعتقاد والإيمان بان الفرج سيأتي من فوهة بركان متخيل سيلقي بحممه على الأعداء وأمجاد يا عرب أمجاد!.

في الماضي تميزت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة برفعها لعدد من الشعارات السياسية وآليات عمل لا حاجه لإخضاعها هنا لمقياس الصح والغلط، لأنها كانت سباقه وبعضها تحول إلى مطالب وشعارات أكثرية الأحزاب السياسية في إسرائيل وحتى بين الفصائل الفلسطينية الوطنية، فشعار منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وشعار حل الدولتين وشعار إنهاء الاحتلال وبرنامج عمل الجبهة على الساحة الإسرائيلية، كانت كلها سوابق، بعضها تبناه الغير وبعضها غاب وآخر موه بأنشطة حرَّكتها منافسات مع آخرين أضعفت هذه الجبهة وأضرت بمصلحة جماهيرنا العربية.

كذلك تميزت الجبهة بطروحاتها الاجتماعية ومنظومة قيم عملت على نشرها وغرسها لتنشئة أجيال آمنت بالحرية والمساواة، بدور المرأة وبمكانة العامل، بتحكيم العقل والأهم حزمها وحسمها وتصديها لمن حاول تعكير نبع هذه الجماهير ووضع الصخور في مجرى أنهارها الدفاقة، فهل اذكر بالكبير توفيق زياد وماذا عنى لنا ولهم جميعا أو بإميل توما أو بإميل حبيبي وآخرين كثر تميزوا بالرؤية السياسية الواضحة وتسلحوا بالجرأة المطلوبة دائما لمن يخطط وينوي قيادة مجتمع أينما كان ولا سيما إن كان هذا يعيش في حقل ألغام.

كانت التناقضات واضحة، محسوبة ومحسومة وهي التي فرضت برامج العمل والتخطيط السياسي الصحيح. أقرت الأولويات وكان الخيار واضحا وان اختلف حوله البعض أحياناً.

عقود مرت على تلك الأيام وواقع تغير وتبدل في العالم، في المنطقة في فلسطين وفي إسرائيل، عوامل أقحمت واقتحمت وعوامل أزيلت وزالت ولهذا اعتقد أن هنالك حاجه لإعادة النظر في العديد من الطروحات والمواقف. هذا واجب على كل الأحزاب والحركات السياسية ولكن أخص هنا الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة لأنها كانت دائما المحرك الأساسي والأهم والمقياس في الساحة السياسية النضالية ولأنها تكاد تفقد هذه المكانة أخصها هنا وأقول: عندما أصبح شعار منظمة التحرير ممثلا ووحيدا للشعب الفلسطيني واقعا يتحدى من الأشقاء والأعداء وعندما أصبح شعار الدولتين مطلبا لا يربك شارون وشمعون بيريس وإيهود براك من جهة وحائط الشيطان، يرجمه كثيرون يفتون بالسياسة ويؤمنون ببطلانه وكل لأسبابه وأغراضه وعندما لا تؤمن جماعة بان حل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ليس ضرورياً لأن غايتهم وإيمانهم بتحقيق الإمارة الإسلامية على كل أرجاء الأرض وعندما يصبح يوم الأرض ذكرى ومنصه تجمع بعض المئات والنشطاء فقط وعندما لا تستنفر مظاهرة موضوعها الأرض والمسكن وبقاؤنا فيهما إلا القليل القليل، كما حدث في شفاعمرو وعاره وغيرها وعندما يتحول موضوع إشراك امرأة في لجنة المتابعة إلى مسألة خلافيه تستدعي حلولاً توافقية، عند كل ذلك، أعتقد أن هناك حاجه إلى إعادة النظر ووضع تقييمات تذكر بما صح من الأولويات وبقي نافعاً وملائماً وتستحدث ما يلائم كل طارئ وجديد في واقعنا وواقع محيطنا القريب والبعيد.

ولأنني وغيري نعيش ونقلق لتقهقر مجتمعنا وفقدانه ما حلمنا به من قيم إنسانيه ليبيرالية وديمقراطية وإلى أن يتم تصويب الوضع العام بين الأحزاب والحركات السياسية وبين بعضها أو بداخلها ولأننا نعيش في دوامة وحالة ضبابيه تماهى فيها التميز الواضح وطغت على ساحتها الشعارات العامة من جهة  والتوافقية من جهة أخرى،  كتبت وقلت إن الحل الفوري المنشود هو إقامة إطار بلدي شامل في كفرياسيف. مع كل تعقيدات هذا الطرح ما زلت أراه الحل الأكثر وفرةً وحظاً للنجاح وهذا لا يتناقض مع أي طرح أو رؤية لدى أي حزب وطني عربي يسعى ويريد ويحاول إقناعنا انه يعمل وينشد صالح مجتمعنا وطبعا شعبنا برمته، على أن نرى حصيلة هذا العمل واقعاً وحقيقةً في كافة أماكن تواجدنا

 

كفرياسيف

قد يهمّكم أيضا..
featured

المقاطعة احتجاج شرعيّ ومطلوب

featured

"هلا"... قناة مُلتزمة أم متأزّمة؟!!

featured

سجل مشرف للشيوعيين

featured

واشنطن تعيد انتشار داعش