قيّمنا دائما ان الاقتصاد الاسرائيلي من حيث طابع هويته الحقيقية يعتبر جزءا عضويا من الاقتصاد العالمي الرأسمالي الخنزيري المعولم والتابع. فمدى اندماج وتبعية الاقتصاد الاسرائيلي في حظيرة الاقتصاد الرأسمالي المعولم يجسده التأثير الكبير لمختلف اشكال الرأسمال الاجنبي، الحكومي والخاص، على مختلف مرافق التطور والحياة – سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا في اسرائيل، وخاصة الرأسمال الامريكي "الاقتصادي والعسكري" والرأسمال الوارد من المنظمة الصهيونية العالمية. هذا اضافة الى ارتباط اسرائيل باتفاقية "التجارة الحرة" مع المحور الامبريالي الامريكي وبالتحالف الاستراتيجي العسكري مع الولايات المتحدة الامريكية وبالبروتوكول التجاري مع محور الاتحاد الاوروبي وبعلاقات "التعاون" مع الحلف الاطلسي الامبريالي العدواني. فهذه الارتباطات والتحالفات عكست اثرها السلبي في مدى التبعية الاقتصادية والعسكرية الاسرائيلية لمحاور الامبريالية، وخاصة للامبريالية الامريكية وللاحتكارات الامريكية عابرة القارات، ومدى ابتعاد اسرائيل سنويا عن انجاز الاستقلال السياسي وتعمق تبعيتها الاقتصادية للرأسمال الاجنبي ولمحاور الامبريالية الامريكية والاوروبية. ولهذا ليس صدفة وليس سرا، وليس امرا جديدا ان تشارك مؤسسات مالية عالمية مثل "البنك الدولي" و"صندوق النقد الدولي" و"منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" ووزارتا المالية والدفاع الامريكيتان وغيرهما، وتتدخل في صياغة وبلورة السياسة الاقتصادية – الاجتماعية- الموازنة العامة الاسرائيلية سنويا، وتقديم التقارير و"النصائح" عن مسار التطور الاقتصادي في اسرائيل. كما ان مدى اندماج اسرائيل في الاقتصاد الرأسمالي المعولم مشحونا بسياسة الانفتاح على سوق "التجارة الحرة" والبورصات العالمية يفسر لماذا طالت انياب عواصف الازمة المالية الرأسمالية العالمية المدمرة والمفترسة الاقتصاد الاسرائيلي. كما يؤكد حقيقة ان طرح حكومة نتنياهو اليمينية كخطوة غير مسبوقة، مشروع موازنة عامة لمدة سنتين 2009 و 2010 ليست منتوجا اسرائيليا حصريا، للخروج من دوامة الازمة الاقتصادية المالية، بل جاءت لتتوافق وتنسجم مع الخطة المنهجية الاستراتيجية لمحاور الامبريالية ومختلف الدول الصناعية الرأسمالية المتطورة للخروج من دوامة الازمة الكارثية واخراج اقتصاد بلدانها من غرفة الانعاش المكثف خلال سنتين ودب العافية في شرايين الركود الاقتصادي مع مطلع العام الفين واحد عشر. فالسياسة الاقتصادية المالية الاسرائيلية المجسدة في مشروع ميزانية حكومة اليمين الاسرائيلية لعامي 2009 و 2010 التي هدفها انقاذ النظام الرأسمالي من الانهيار وعلى حساب دعم ارباب رؤوس الاموال الكبيرة ومن جيوب الفئات الاجتماعية الفقيرة، هي نفس السياسة الاقتصادية الاجتماعية المنتهجة في معظم وحتى جميع الانظمة الرأسمالية ومختلف البلدان والقارات. فعلى ماذا تبنى المراهنة لانقاذ الوضع الاقتصادي – المالي الرأسمالي العالمي والاسرائيلي من هاوية الازمة والركود الى شواطئ الانتعاش ودفع مسيرة التنمية الاقتصادية.
* معطيات وحقائق:
يوم الخميس الماضي افتتح في احدى قاعات الامم المتحدة الواسعة مؤتمر دولي في نيويورك بمشاركة مندوبين من 138 دولة كان موضوعه "الازمة الاقتصادية – المالية وآثارها على الازمة". وفي خطابه امام المندوبين اكد الامين العام للامم المتحدة بان كي مون وحذر من الموازين غير العادلة في معالجة الازمة من قبل الدول الصناعية الرأسمالية الغنية، فهذه انفقت اكثر من ثمانية عشر تريليون دولار لانقاذ العديد من البنوك والشركات الاحتكارية من الافلاس والانهيار ولكن هذه الدول الصناعية الغنية احجمت عن التزاماتها بتقديم 18 مليار دولار لانقاذ البلدان الافريقية وشعوبها من كوارث الفقر والمجاعة. هذا اضافة الى انه ينتظر في العام الحالي، ورغم دعم ارباب الرأسمال بمليارات الدولارات، ان يفقد خمسون مليون انسان وظائفهم وينضمون الى جيش المعطلين عن العمل العرمرم.
اما في اسرائيل فان المراهنة تدور حول احتمالات الخروج من دوامة الازمة، المدة الزمنية لبدء ملامح الانتعاش، وما هو الثمن، ومن يدفعه، امامي معطيات عن التقرير نصف السنوي الذي تصدره "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" (او.اي.سي.دي) الذي يضم 30 دولة من الدول الصناعية الرأسمالية المتطورة. اسرائيل ليست عضوا في هذه المنظمة، ولكنها قبلت قبل سنتين كدولة "مرشحة لعضوية" هذه المنظمة وانطلاقا من هذه الصفة تضمن تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية معطيات تقييمية عن السياسة الاقتصادية الاسرائيلية وآفاقها المرتقبة، والنهج التقييمي الذي يمارسه المسؤولون في هذه المنظمة وغيرهم من الاقتصاديين والساسة انصار النظام الرأسمالي هو العمل لتخفيف وطأة الازمة الراهنة بالتركيز على المقارنة بين "الاسوأ الكارثي" الذي كانوا يتوقعونه مع انفجار بركان الازمة المالية وبين "قدرتهم" على قيادة الاقتصاد الى "وضع تدريجي سيء ولكنه يحمل في رحمه بشائر انتعاش مرتقب". وحسب معطيات تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية فان الوضع الاقتصادي المالي الرأسمالي العالمي والاسرائيلي لا يزال سيئا ويراوح في دائرة الركود الاقتصادي وانخفاض وتيرة النمو الاقتصادي وزيادة البطالة حتى نهاية العام الحالي 2009، ولكنه افضل مما كان يتوقع من انهيار وتيرته مع بداية الازمة، وان فرج الانتعاش ستكون ملامحه بارزة في نهاية الفين وعشرة وبداية الفين واحد عشر. وحسب تقرير هذه المنظمة عن الاقتصاد الاسرائيلي فان معطياته تشير الى "ان التنمية الاقتصادية، الانتاج القومي الداخلي الاجمالي سينخفض في سنة الفين وتسعة بنسبة 2% من جراء انخفاض الطلب العالمي على البضائع، وان انتعاش الاقتصاد الاسرائيلي سيكون في سنة الفين وعشرة حيث سترتفع وتيرة النمو الاقتصادي بنسبة 0,2% (عُشرين بالمئة)!! كما تتوقع تقديرات هذه المنظمة "ان ينخفض التصدير الاسرائيلي هذا العام بنسبة 25% ويرتفع بنسبة 2,6% في السنة القادمة، فالركود الاقتصادي يتواجد الان في اوجه في اسرائيل، في اوج الانفتاح في وجه التجارة العالمية، ولكن تأثير الاضرار يجري تخفيض وطأتها بواسطة مشاكل ضئيلة في الجهاز المالي الاسرائيلي وايضا لغياب الفقاعة في مجال الرهن العقاري الاسرائيلي. تعود التنمية لتصبح ايجابية في نهاية الفين وتسعة"!! ويوجه التقرير انتقادا مبطنا لخطة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تخفيض ضريبة الدخل عن الرأسمال الكبير من 65% الى 35% وعن الشركات الاحتكارية من 35% الى 18% في العام الفين وعشرة كوسيلة لتشجيع عملية الانعاش والتنمية الاقتصادية واخراج الاقتصاد الاسرائيلي من هاوية الركود الاقتصادي. فحسب رأي تقرير المنظمة المذكور فان تقليص دخل الدولة من ضريبة الدخل سيؤدي الى زيادة عجز الموازنة ونسبة هذا العجز من الناتج القومي الاجمالي لاسرائيل. سيؤدي الى عجز الحكومة الاسرائيلية تخفيض عجز الموازنة الى 3% في العام 2011، حيث يبلغ في العام 2009 ستة في المئة من الناتج القومي الاجمالي 5,5% من الناتج الاجمالي في العام الفين وعشرة.
ومن المعطيات التي ابرزها تقرير منظمة التعاون ان الاستهلاك الفردي في اسرائيل، الذي يعكس مستوى معيشة الفرد سينخفض معدله في العام الفين وتسعة الحالي الى ناقص 1,7% ويرتفع الى زائد 1,3% في العام الفين وعشرة، ووتيرة التضخم المالي ترتفع الى نسبة 2,5% في العام الفين وتسعة والى 1,1% في العام الفين وعشرة، ونسبة البطالة ستصل الى 8,5% في العام الفين وتسعة والى 9,3% في العام الفين وعشرة.
ان ما لم يذكره تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ان سياسة معالجة الازمة ومحاولة الخروج من دوامتها لا تخرج من اطار المنهج الطبقي لسياسة اغناء الاغنياء وافقار الفقراء وتعميق فجوات التقاطب الاجتماعي، فبالاضافة الى تخفيض الضرائب المباشرة عن الاغنياء فان حكومة الكوارث والافقار اليمينية تخصص ما مقدار عشرين مليار شاقل لمساعدة ارباب الرأسمال الكبير، البنوك والاحتكارات التي على حافة الانهيار والافلاس مقابل تقليص مخصصات النقاهة للعاملين في قطاع الخدمات العامة، قطاع الدولة، من العاملين في مجالات التعليم والصحة والسلطات المحلية وغيرهم بنسبة خمسين في المئة وزيادة الضريبة الشرائية المضافة وتقليص ميزانيات وزارات الخدمات الاجتماعية الامر الذي سيعاني منه الفقراء والاوساط الاجتماعية المسحوقة من ذوي الدخل المحدود اكثر من غيرهم. وحسب معطيات مؤسسة التأمين الوطني فان عدد من يعيش تحت خط الفقر في اسرائيل وصل في نهاية العام الفين وثمانية الى الف وستمئة وخمسين مليون مواطن، أي بمعدل فقير واحد من بين كل خمسة مواطنين في اسرائيل. وكل رابع مسن فقير وكل ثالث طفل فقير. واذا كان المعدل العام لمن يعيش تحت خط الفقر قد تراوح في حدود عشرين في المئة من السكان فان هذه النسبة تبلغ حسب التقرير نفسه اكثر من 44% والحقيقة حوالي 50% من المواطنين العرب فقراء. وفي ظل معطيات تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عن انخفاض وتيرة النمو وزيادة البطالة والتضخم وتخفيض مستوى معيشة الفقراء والمحتاجين في العام الجاري والعام القادم فان ما هو مرتقب ان يتعدى عدد الذين سيعيشون تحت خط الفقر الى اكثر من مليوني انسان في اسرائيل الى وحوالي 25% من سكان اسرائيل الاجمالي واكثر من خمسين في المئة بين المواطنين العرب.
مما لا شك فيه ان اعصار الازمة المالية العالمية قد طالت انيابها اوساطا من الاغنياء الرأسماليين في العالم وفي اسرائيل، فحسب معطيات تقرير "ميريل لينتش" فان عدد المليونيريين الاسرائيليين انخفض من ثمانية آلاف ومئتي مليونير الى خمسة الاف وتسعمئة مليونير اليوم. والمليونير هو من يملك رأسمالا نقديا صافيا مقداره مليون دولار دون حساب الاملاك العقارية من بيت وغيره يملكه. ورغم تأثر كبار الاغنياء من الرأسماليين الاسرائيليين بافلاس بعضهم وتمركز الرأسمال في ايدي عدد اقل من لصوص الرأسمال الا ان هذا لا يغير كثيرا بان العُشرين الاعليين في سلم المداخيل الاسرائيلي يركزون في حوزتهم حوالي 46% من الدخل القومي الاسرائيلي بينما العُشران الاخيران في ادنى درجات سلم المداخيل لا يملكون ما يقارب الـ 3,8% من الدخل القومي الاسرائيلي.
اذا كان انصار ومؤيدو وقادة ومنظرو وساسة الرأسمالية يراهنون على احتمال تخفيف حدة الازمة وتجاوز مخاطر الانهيار للازمة الراهنة واحتمال بوادر الانتعاش الاقتصادي في مطلع سنة 2011 فإننا لا نراهن، بل على يقين قناعة تامة ان ازمة الرأسمالية تكمن في طابعها وفي جوهرها الاعجز من تحصينها بقاعدة راسخة من المناعة لدرء مخاطر ازمات مرتقبة. ونحن على قناعة تامة ان البشرية بحاجة ضرورية الى نظام آخر وبديل آخر للمجتمع الرأسمالي والنظام الرأسمالي، مجتمع العدالة الاجتماعية الاشتراكي المحصن من اعراض الازمة وجرائم الرأسمالية، بديل يحتم مواصلة الكفاح ضد النظام الرأسمالي وجرائمه الاجتماعية والسياسية العدوانية.
