*(العربي لا يفهم إلا لغة القوة. سحقُ حماس سيُمهّد الطريقَ أمامَ "ابومازن" لتقلّد زمام السلطةِ في غزة. "حماس" لا تعبأ بقتل المدنيين من طرفها وتستعملهم كدرعٍ بشريٍ. نحن جيشٌ أخلاقيٌ لا يستهدف المدنيين. التزامُ العالم السكوتَ إزاء ضربِ غزة وخاصةً مصر هو اثباتٌ ان اسرائيل على حق - هذه بعض من الفرضيات الخاطئة لحربِ اسرائيل على غزة)*
عادةً قبل الشروع بالحروب يحدّد القيّمون عليها اهدافها ومن ثم الى افتراض فرضيات معينة داعمة لتلك الأهداف، والتي تستند الى العقل والمنطق او التجربة الحربية المتراكمة، او النظريات العلمية، وفي حرب اسرائيل الحالية على غزة يفترض حكام اسرائيل وجيشها فرضيات غريبة عجيبة تدل على العمى السياسي الذي اصابهم، وعلى انعدام قدرتهم على قراءة الواقع وفَهمِ عقلية الطرف الآخر، وإيثار الانجازات الآنية على الانجازات الاستراتيجية، والاستجابة لنداءات الانتقام والثأر من العرب.
الفرضية الاولى - العربي لا يفهم إلا لغة القوة. هذه هي الفرضية المركزية التي تبناها جيش الاحتلال الاسرائيلي منذ اقامة الدولة وحتى يومنا هذا. مقولة "ان لم تقمع العربي يقمعك وان صادقته يطعنك من الخلف" هي الأكثر تداولًا بين افراد الجيش على مختلف مرتباتهم العسكرية. طبعا هذه فرضية خاطئة لأن كل الشعوب تخاف من القوة والبطش والعرب، هذه هي طبيعة المخلوقات البشرية، والعربُ لا "تفوق" غيرها بذلك. من السهل على اسرائيل تبني هذه الفرضية لأن ميزان القوى في المنطقة والمناخ السياسي في العالم يعمل لصالحها. من السهل تبني مبدأ القوة ضد الضعيف والمظلوم والذي لا نصير له كالشعب الفلسطيني في غزة. أضف الى ذلك، ان اختيار الطرق السلمية والتفاوض يجبر اسرائيل على القيام بتنازلات لصالح الشعب الفلسطيني، وهذا ما لا تنوي المؤسسة الاسرائيلية القيام به. ما لا تدركه اسرائيل ان ميزان القوى لن يبقى لصالحها طوال الوقت، وان كانت حكومات الدول تقف الى جانبها اليوم فإن شعوبها غير راضية على مواقف حكوماتها.
انظروا ماذا يحدث في المانيا وفرنسا وبريطانيا واليونان وكندا من مظاهرات عنيفة مناصرة للشعب الفلسطيني، وراجعوا مقاطعة الاكاديميين الاسرائيليين في جامعات بريطانيا وقيام المحاكم الاوروبية بملاحقة ارباب الحرب الاسرائيليين الذين يخشون السفر الى الدول الاوروبية، لتجدوا تراجعًا في تأييد العالم الغربي لاسرائيل.
الفرضية الثانية، سحق حماس سيمهد الطريق امام "ابو مازن" لتقلّد زمام السلطة في غزة. أحقا؟ هل هذا ما سيحصل؟ هل نجحت اسرائيل وامريكا في تجارب من هذا القبيل في لبنان وسوريا والعراق وغيرها؟ هل تستطيع دولة معادية تقتل عشرات بل مئات الآلاف من الشعب الآخر ان تفرض حكاما وأنظمة عليه؟ اليس هذا استخفافا بحق الشعوب بتقرير مصيرها؟ أليست الشعوب هي المسئولة الوحيدة عن قلب الحكم؟ عدوان اسرائيل على الشعب الفلسطيني لن يزيده الا تعلقا وتأييدا لحماس وليس كما يفترض الاسرائيليون.
الفرضية الثالثة، منظمة حماس لا تعبأ بقتل المدنيين من طرفها وتستعملهم كدرع بشري. أحقا؟ هل توجد مخلوقات بشرية لا تعبأ بالموت؟ نحن أدرى ببعضنا كعرب وكفلسطينيين، ونحن أدرى بطقوس الحزن والنواح والعويل على موتانا. هل يوجد انسان سويّ في هذه الكون لا يكترث لموت اولاده واقاربه وذويه؟ ما الذي تريده اسرائيل من حماس؟ هل تريدها ان تقيم معسكراتها وثكناتها في منطقة معزولة عن غزة ليقوم الطيران الاسرائيلي بسحقها في يوم واحد؟
الفرضية الرابعة، نحن جيش اخلاقي لا يستهدف المدنيين. أحقًا؟ وما الذي أدّى الى مقتل اكثر من 1800 إنسان جُلهم من الاطفال والأناس العُزّل الذين لا دخل لهم فيما يحدث، وباعتراف اسرائيل؟ لو مكث في تلك البيوت اسرائيليون او امريكان او اوروبيون بالإضافة الى "مخربي" حماس، هل كانت الطائرات الاسرائيلية وآلات الدمار ستقصفهم؟ أم أن قتل الفلسطيني الأعزل مباحٌ. تثبت احصاءات الضحايا القائمة ان معظم القتلى والجرحى من المدنيين أي ان الضرب على غزة عشوائي ولا يفرّق بين العسكريين والمدنيين.
الفرضية الخامسة، التزام العالم السكوت إزاء ضرب غزة وخاصة مصر هو اثبات ان اسرائيل على حق. طبعا لا احد يشك بأن نظام جمهورية مصر العربية يقف الى جانب اسرائيل محبةً لها، لكن شاءت الظروف ان تتفق مصالحه مع مصلحة اسرائيل وِفقَ مبدأ "عدو عدوي هو صديقي". مصر متواجدة في حرب شعواء مع حركة "الاخوان المسلمون" وبما ان حماس هي صورة من صور هذه الحركة فهنالك تخوف من النار التي قد تشعلها. ان كل ما يهم "السيسي" في هذه المرحلة الانتقالية من حكمه هو الاستقرار واستتباب الأمن ولا علاقة لذلك بموقفه تجاه الشعب الفلسطيني او المؤسسة الاسرائيلية. مصر معنية جدا بأخذ دور رئيسي في ايجاد حل للقضية الفلسطينية ولن تستغني عن الصدارة في هذا المضمار.
من المعروف ان الفرضيات الخاطئة تؤدي الى نتائج خائبة. عندما نفترض بشكل خاطئ ان (أ) يؤثر على (ب) ونسعى لتغيير (أ) لكي يتغير (ب) فإننا حتما سنفشل في مسعانا، لأن الفرضية التي قمنا بها كانت خاطئة. هذا ما يقوم به حكام اسرائيل يفترضون افتراضات خاطئة مبنية على عقدة الخوف وعنجهية القوة ويحصدون الخيبة تلو الأخرى. هنالك بديل لهذه الحرب الحمقاء التي لا تزيد رقعة الدم الا اتساعا وهو طاولة المفاوضات التي تنتهي برفع الحصار عن غزة. تعترف اسرائيل انها غير قادرة على القضاء على حماس تماما بل انها معنية باستمرار وجوده خوفا من هيمنة قوى أكثر تطرفا، إذًا ما الذي تسعى اليه وما هو هدفها من وراء هذه الحرب الخائبة؟ واأسفاه على كل الارواح التي تزهق من جراء هذه الفرضيات الخاطئة!
