هكذا اضطررت أن أصطحب ابني جود للكنيست للتصويت ضد مشروع الغاز!

single

*جود، ابن الخمسة أعوام، هو واحد من بين أكثر من 33 ألف طالب في المدارس الأهلية الذين لم يعودوا بعد إلى مقاعد الدراسة كسائر زملائهم،ولهذا اضطررت أن أصطحبه معي إلى  يوم عمل في الكنيست!*


 دعت رئاسة الكنيست يوم الاثنين من هذا الأسبوع نواب البرلمان لجلسة غير عادية في العطلة الصيفية للكنيست، من أجل التصويت على مشروع الغاز كما طرحته الحكومة. ورافقني في هذا اليوم ابني جود، ابن الخمسة أعوام. عند دخولي مع جود إلى أروقة الكنيست تساءل العديد من الزملاء عن أسباب مرافقته لي، علمًا ان الجلسة تأتي في أوقات الدوام المدرسي.
جود هو واحد من بين أكثر من 33 ألف طالب يتعلمون في المدارس الأهلية الذين لم يعودوا بعد إلى مقاعد الدارسة مع افتتاح السنة الدراسية الجديدة، وبهذا لم تسنح له الفرصة بعد ان يحمل حقيبته الجديدة التي فرح كثيرًا بشرائها، وان يلتقي باولاد وبنات صفه، وان يتعرف على مربية صفه ومعلمته، على غرار سائر أبناء جيله في المدارس الرسمية.
يدرس جود في مدرسة الواصفية الإبتدائية في مدينة الناصرة وهي واحدة من الـ 47 مدرسة أهلية في البلاد التي لم تفتتح السنة الدراسية بعد بسبب الإضراب المفتوح الذي أعلن عنه، وبحق، ممثلو هذه المدارس، وذلك كخطوة احتجاجية على سياسات تضييق الخناق على هذه المدارس من قبل وزارة المعارف، من خلال التقليصات المستمرة في الميزانيات التي تخصصها الوزارة لهذه المدارس في السنوات الأخيرة من ناحية، وتقييد الرسوم التي يدفعها أولياء أمور الطلاب للمدارس، من ناحية أخرى.
ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن المدارس الأهلية تحصل اليوم على ميزانية تعادل 29% فقط من الميزانية التي تحصل عليها المدارس الرسمية في البلاد، وذلك على الرغم  من أن المدارس الأهلية تدرّس المضامين الرسمية والبرامج التعليمية الرئيسية بشكل كامل. وبفعل استمرار سياسات التقليصات، وشحّ الميزانيات، تقف المدراس الأهلية اليوم أمام شبح الاغلاق بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي آلت إليها، مما يمنعها من افتتاح السنة الدراسية الخالية.
للمدارس الأهلية مساهمة كبيرة ودور أساسي طوال عشرات السنين في رفع مستوى التعليم في المجتمع العربي، وهي تتبوأ موقعًا رياديًا وطلائعيًا في مسيرتنا التعليمية كأقلية قومية أصلية، من ناحية التحصيل العلمي، الحياة التربوية فيها، والقيم التى تزرعها. وتتمتع هذه المدارس وفقًا لمكانتها التاريخية الخاصة باستقلالية إدارية نسبية في تعيين المديرين والمعلمين وفي التعليم اللا منهجي. وقد وفّرت المدارس الأهلية على الدولة طوال السنين ميزانيات ومصروفات كثيرة لأن المباني التي تتواجد بها هذه المدارس هي بملكية الطائفة، سواء من ناحية أعباء البناء او الصيانة، مما وفّر الكثير من هذه المصروفات المادية على وزارة المعارف التي يلزمها القانون بتوفيرها لكل الطلاب. وبدلًا من أن تقوم وزارة المعارف بتطوير وتنمية ودعم هذه الصروح التربوية، تقوم بتقليص الموارد المخصصة لهذه المدارس وبالتالي تمس بمصالح طلابنا وبالعملية التربوية المنشودة في هذه المدارس، مما يشكل مسًا خطيرًا بمستقبل أولادنا وبناتنا، ومستقبل شعبنا.
صحيح أن جود أضفى طعمًا خاصًا على ذلك اليوم في الكنيست، وتعرف على أروقة المبنى والعديد من النواب فيه وعلى طعم المسليّات هناك، ولكن أزمة المدارس الأهلية بقيت أساس الحديث فمحاولة المس بهذه المدارس خطيرة، ومعاناة الأهالي حادة، والقضية تحتاج إلى توحيد كافة الطاقات وتضافر الجهود الشعبية والتمثيلية من أجل مستقبل أولادنا وحماية حقهم الأساسي في التعليم.
هنالك الكثير من الرمزية في حقيقة ان زيارة جود الأولى للكنيست تأتي بسبب تنكر الحكومة لأزمة المدارس الأهلية، ولضائقة جود وزملائه على مقاعد الدراسة. جود لم يتمكن من التصويت لأنه لا يستطيع دخول الهيئة العامة للتصويت هناك، لكنه لاحظ أن الأمور تسير كالمعتاد في مبنى الكنيست، وكأن إضراب عشرات الآلاف من الطلاب العرب في المدارس الأهلية على كوكب آخر.
نقولها بوضوح الشمس: لا يمكننا المساومة ولا التنازل عن حق المدارس الأهلية في الحصول على ميزانيات متساوية مثل المدارس الرسمية، وعلى ضمان مستقبل المسيرة العلمية والتربوية والقيمية لهذه المدارس. هذا حقنا، وهذا واجبنا جميعًا تجاه أبنائنا. في هذه المدارس لنا ماضٍ ناصع، وعلينا حماية الحاضر والمستقبل فيها أمام رياح السيطرة والعنصرية التي تعصف فيها.
أما جود، فقد يضطر للعودة الى مبنى الكنيست قريبا ليتظاهر امامه احتجاجًا، سوية  مع اولاد صفه!
ولا يضيع حق وراءه مطالب.

قد يهمّكم أيضا..
featured

خيَال المشنوق وثقافة السكين

featured

عرس الدم ونادية تستصرخ نخوة المعتصم

featured

الرباط في الرباط والانتماء الى العالم الجميل

featured

دعوة مفتوحة لوسائل الاعلام

featured

آدابٌ يجب مراعاتها

featured

مصلحة أكثرية شعبنا السوري ومصلحة المستقبل العربي التقدمي

featured

بين الاداء والأدوات