الرباط في الرباط والانتماء الى العالم الجميل

single

هكذا نحن، نريد الانتماء الى عالم الحرية والأفق الرحب

*بين مارسيل والقاسم وزاهي وبلقزيز وكريمة ونعمان*


فاضت القاعة الكبرى في وزارة التجهيز والنقل في الرباط بالجمهور العريض الذي جاء ليتمازج مع أغنية مارسيل الملتزمة والمبدعة، ومع شعر زاهي وهبة المتدفق موقفا وحلاوة.
بعد يومين ضاقت قاعة محمد الخامس الرحبة بالناس الذين جاؤوا ليقفوا عند عتبة الشعر العالية، التي شيدها وتألق عليها شاعر فلسطين والعروبة الكبير سميح القاسم، وتوالت بعده ثلة من كبار المغنين المغاربة، الذين اطلقوا حناجرهم للغناء لفلسطين ولأسرى فلسطين وكانت من بينهم الفنانة القديرة والرائعة، كريمة الصقلي، والفنان الملتزم العائد من المفنى سعيد المغربي، والفنان صاحب الحضور الطاغي الذي الهب الجمهور بحنجرته وغنائه، وبموقفه: "نحن المغاربة رضعنا محبة فلسطين مع حليب الأمهات"، والفنان الأمازيغي الجميل مع قيثارته التراثية محمد أرويشة.
الأمسيتان كانتا على شرف انعقاد المؤتمر الدولي للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية، الذي عقد في الرباط ايام 21 و22 و23/1/2011.
كان الجمهور في الأمسيتين متعدد الألوان، فإلى جانب الشخصيات السياسية، برز حضور ذوي الأسرى الفلسطينيين، الذين لامسوا بقلوبهم عمق التضامن والاعتزاز بقضية الأسرى، وكان هناك ابناء فلسطين المقيمون في المغرب، وكان هناك عدد من المثقفين البارزين في الثقافة العربية عموما، والمغربية خصوصا، وعلى رأسهم الكاتب والمفكر الكبير عبد الإله بلقزيز، الذي قام بلفتة جميلة، عندما قدم بنفسه وبكلام رقيق وعميق، الشاعر سميح القاسم على خشبة مسرح قاعة محمد الخامس، وكان هناك الشباب والشابات من ابناء المغرب الشقيق الذين تفاعلوا وهتفوا وبكوا من حرارة التضامن ودفء الفن الرفيع.
وكنا هناك، ولا بأس في الاعتراف، بأننا لم نتمالك أنفسنا، دبكة، عندما هتف مارسيل خليفة "شدوا الهمّة"، أو تأثرا عندما غنّت الجوقة في مسرح محمد الخامس "زهرة المدائن".
حينما اعتلى المنصة زاهي وهبة، الشاعر والإعلامي اللامع، والأسير المحرر من سجن عتليت، ليلقي شعره بين الالتزام وبين مخاطبة محمود درويش، وبين قصيدة الغزل والحب التي تنعش القلوب وتأجج العواطف، استحوذ على مشاعرنا وعلى محبتنا ومشى بنا حيث أراد.
مارسيل خليفة اعتلى المنصة، دون رفيق او شريك إلا عوده ولحنه وأداءه وحضوره الذي يرافقنا منذ تعرفنا الى حقيقة ملامحنا.
منصة مارسيل لم تكن عادية، فالقاعة معدّة أصلا للمؤتمرات فكان على المنظمين أن يقيموا منصة خاصة صغيرة، فكان يبدو طوال الامسية ان المسافة بين مارسيل  وبين الجمهور لاغية تماما، حتى كنت تخال أن مارسيل يصدح بين الجمهور، أو أن الجمهور كان كورس مارسيل  فتمازج الغناء والالتزام وتنوّع الجمهور مع قلب مارسيل خليفة الكبير، ومع حنجرته وأنامله: صنّاع الثورة، وموقدة الدفء.
بعد الأمسية قال لنا مارسيل ان هذا التداخل بينه وبين الجمهور كان جديدا عليه وربما لا يوفر للمبدع قسطه من الخصوصية لكن النتيجة كانت تحوّل التداخل الى لوحة من التكامل بين الفن  وبين المعنى وبين الناس.
مارسيل غنى "أمي" لمحمود درويش، وغني أغنية لروح محمود درويش رفيق روحه، ثم حاول مارسيل أن يقنع سميح القاسم بأن يلقي قصيدته "منتصب القامة"، قبل اداءها غناء، ولكن سميح لم يقبل، من اجل اخلاء المنصة لمارسيل بالكامل، فاعتقدنا ان مارسيل سيغنيها، وإذ بها تتحول إلى هتاف القاعة بمن فيها، مع الالتزام بإشارات المايسترو الكبير مارسيل خليفة صوتا وحركة وعزفا.
مارسيل غني لزاهي وهبة، الذي لم يقوَ على معارضة مارسيل، وقام إلى الميكرفون، ليسبق غناء شعره بإلقائه شعراً، فتمازج ايقاع الشعر من زاهي مع سمو اللحن المتغلغل في الكلمات، الذي ابدعه مارسيل فبدت القصيدة "مكوّرة كنون الحنان" في داخل اللحن.
بعد يومين وبعد التقديم المرتجل والمدهش في كثافة معانيه، الذي تلاه المثقف الكبير والانسان القريب من شغاف القلب عبد الإله بلقزيز، امتطى شاعرنا الحبيب والكبير سميح القاسم المنصة في مسرح محمد الخامس مخاطبا الأهل المغاربة الذين قد يختلفوا على كل شيء، إلا على حبهم لفلسطين ليقول: "إن المغرب يمثل بالنسبة للشعب الفلسطيني عمقا استراتيجيا، لتبادل الحلم الذي لا نساوم عليه: الحلم باستقلال الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف".
ثم استل القاسم قصيدته وصال وجال وأسرّ وأسر وسرّ، فكان الجمهور يتتبعه شعرا ومعنى وحركة والقاءً، فكان اشبه بالساحر- الشاعر الذي يستحوذ على مستمعيه وهو يهتف: "تقدموا تقدموا"، وهي قصيدة الانتفاضة وأطفال الحجارة، وقصيدة المقاومة وقصيدة فلسطين.
سميح القاسم كان في كامل تألقه شعرا وحضورا والجمهور تقاسم معه العنفوان والتحدي، وتقاسم معه الغوص في عمق معاني الشعر رقة وجمالا، وكان التفاعل بين الجمهور يتفاوت بين تعابير الاستحسان والتصفيق الحار، وبين صرخات الشباب والصبايا بحماسة جيلهم وحماسة موقفهم.
ثم توالى الفنانون المغاربة على المنصة فانبلج امامي عالم من الفن الجميل والراقي من الانفعال على اداء الفرقة لزهرة المدائن، إلى التزام سعيد المغربي بحيائه إلى الحضور الجميل للفنانة الكبيرة كريمة الصقلي، إلى التهاب القاعة مع نعمان لحلو إلى دماثة واصالة محمد أرويشة. المغرب يعطى نموذجا، كيف يكون التضامن مع فلسطين ومع شعب فلسطين ومع أسرى فلسطين ومع هواجس فلسطين, إنه لا يريد شيئا منها بل يريد كل الخير لها.
هكذا نحن: نريد الانتماء الى عالم الحرية والى عالم الافق الرحب والى عالم التحليق بطاقات البشر... نريد الانتماء الى العالم الجميل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

البطل الأحمر الذي دحر النازية

featured

انغلاق المجتمع في إسرائيل وقضية السلام

featured

جرائم العنف

featured

طبيب ليوم واحد

featured

الحياة عقيدة وكفاح !!!

featured

إنهاء الانقسام لمواجهة التحدّي

featured

قتَلة القذافي هم وأسيادهم أكثر من وحوش