طبيب ليوم واحد

single

أحترم وأقدّر ذوي الشهادات الجامعية العالية في شتى الميادين العلمية والأدبية والإنسانية. وكنت في صغري مثل الغالبية العظمى من القرويين اعتقد ان الدكتور هو الطبيب وان هذه المهنة هي أرقى مهنة إنسانية ، وان صاحبها هو المتعلم الأكبر ثمّ اكتشفت فيما بعد أن هناك دكتوراً في البيولوجيا وفي الفيزياء وفي الكيمياء وفي القانون وفي الأدب وفي مواضيع اعرفها ومواضيع لم أسمع بأسمائها من قبل.
   تسلل لقب دكتور إلى حياتنا واجتماعيّاتنا واتيكيتنا وبرتوكولنا ومجاملاتنا فكثيراً ما أقرأ في الصحف والمجلات أنّ " دكتور سين " قد شارك في محاضرة ما أو اجتماع ما مع أنّ السيد سين المحترم لا يحمل هذا اللقب الجامعيّ ، وفي مناسبات عديدة يقدمونني إلى السيدات والسادة المستمعين سواء في المحاضرات أو اللقاءات الإذاعية والتلفزيونية بالدكتور فأصحح ذلك مرة وأبلعها وأسكت عنها مرات عديدة.
  ويبدو أنّ هذا اللقب المحترم قد أغرى العديدين منا فاشتراه البعض من مؤسسات وهمية من أجل الجاه أو المال أو كليهما معاً ، ففي إحدى القرى مُطَهِّر يحمل شهادة دكتوراة في العلوم السياسية ، وشرطيّ يحمل لقب دكتور في العلوم الاجتماعية ، وزجال شعبي يحمل شهادة دكتوراة  في الفلسفة مع أنهم لم يعرفوا في حياتهم بناية أية جامعة في بلادنا أو في العالم.
  كنتُ في أواخر الثمانينات في زيارة رسمية في إحدى دول أوروبا الشرقية وفي أحد أيام الزيارة سألني مرافقي الحزبي اللطيف عمّا أريده شخصياً وكنتُ أعلم أنّ بعض رفاقي الزائرين قد طلب منتجعاً للاستجمام أو علاجاً جسدياً أو غير ذلك ، وأما أنا فطلبتُ من مرافقي أن يستفسر في جامعة العاصمة إن كنت استطيع أن أدرس للدكتوراة في الأدب العربي وأخبرته أنني احمل اللقب الجامعي الأول. وفي ظهيرة اليوم التالي جاء الرفيق المرافق إليّ مبتسماً وقال: نعم تستطيع ولكن عليك أن تبقى هنا لمدة أسبوع آخر. قلتُ: حسناً. ولماذا لا ؟ أكل ومرعى وقلّة صنعه. قال: وأن تكتب ما بين 10-15 صفحة في الموضوع الذي تختاره. قلتُ: بسيطة. قال: وأن تدفع خمسمائة دولار أمريكي. قلت: لا بأس.
   وكنت أظن أن هذه الأمور من إجراءات التسجيل في الجامعة حتى قال لي: وسوف تعود إلى بلدك بعد أسبوع وشهادة الدكتوراة في حقيبتك. وهذا يعني بالعربي الفصيح أن يصبح حرف الدال رفيقيّ الجديد. وحينما عدت إلى الوطن حدثتُ بعض الأصدقاء بذلك عن هذه الحادثة الطريفة فقال لي البعض: نحن نعرفك ومن الطبيعي ألا توافق ، بينما قال لي آخرون وهم أقلية: أنت لا تعرف من أين تؤكل الكتف ولا تعرف أن تستغل الفرص ، ولو عدت حاملاً شهادة الدكتوراة لزاد راتبك الشهري وزاد راتب التقاعد فيما بعد كما زاد احترام المجتمع لك فليس قليلاً أن يذكر حرف الدال قبل اسمك في الصحافة والإذاعة والتلفزيون وفي الاجتماعات.
   صديقي عباس الكرملي نال شهادة دكتوراة في التربية بعد جهد وسهر وكان مسروراً ومبهوراً بها فعلّق يافطة معدنية جميلة على بوابة منزله العامر مكتوباً عليها: منزل الدكتور عباس الكرملي. وفي صباح أحد الأيام سمع طرقاً على الباب فخرج مسرعاً وإذا بفلاح ترافقه سيدة تحمل طفلاً رضيعاً على ذراعها وتستغيث: دخيلك يا دكتور! الولد ما نام وجسمه مثل النار.
  وجد عباس صعوبة في إقناع الوالدين بأنه ليس طبيباً. وفي أصيل ذلك النهار أيضاً سمع دقاً على الباب مرة أخرى فقال: تفضل. وهو يظن أن جاره جاء ليشرب القهوة معه ، وإذا برجل عجوز يدخل الدار وهو يقول: اعمل الخير يا دكتور وارم في البحر. قالوا لي في حبة بتحوّل العجوز الهرم لحديد. اكتب لي روشيته بحبتين ثلاثة. المصاري مش مهم. مية شيكل أو مية دولار. بس عَ المضمون. التجربة أفضل برهان. إذا انبسطت الحرمة راح أبسطك ان شاء الله !
وشيّع عباس الكرملي الرجل العجوز بعد حوار صعب وحدّق باليافطة على بوابة منزله وتمتم: انزلي قبل الانبساط !!          

قد يهمّكم أيضا..
featured

خلافة غير إسلامية

featured

قطار الربيع العربي خرج عن مساره

featured

الوفاء في مأزق أليم!

featured

اللَّهُمَّ اشهَدْ!

featured

الفزع من العلمانية: فصل الدين عن الدولة

featured

ملاحظة الى دجّال في "اليسار" الاسرائيلي

featured

كلمة سكرتير الجبهة أيمن عودة في اجتماع الأحزاب الشيوعية

featured

خدعة "التجميد"