كلمة الوفاء قليلة العدد في حروفها الا انها تنطوي على معانٍ كثيرة انسانية خلاّقة أضعاف أضعاف ما يتصور المرء خاصة اذا فهم الانسان معناها كليًّا، ويمكنها اذا فُهمت جيدًا وعمل الناس بموجب معناها الصحيح لتغيّرت معالم كثيرة في حياة المرء اليومية، في العلاقات بين الاهل وأفراد العائلة الواحدة، وبين المجموعات بعضها البعض، وكذلك بين المسؤولين والمواطنين خاصة في خضم الحياة وما تحمل معها كل طالع شمس وغروبها من أمور تروق لفلان ولا تروق لعلاّن، بالتالي تعمل عملها ان كان في الايجاب أو في السلب عند بني البشر حيث يتأثر بها كلٌ حسب مزاجه وامكانياته العقلية وقرب او بعد أفق تفكيره.
فمعنى كلمة الوفاء الايفاء بالوعد، تنفيذ الالتزام الذي قطعه المرء على نفسه أو أخذه على عاتقه تجاه نفسه أولًا أو تجاه ذويه أو تجاه أقرانه وأصدقائه أو تجاه الناس والمجتمع.. ففي هذه الكلمة كثير من المعاني الانسانية التي تلزم صاحبها ان يقوم بهذا الوفاء من باب إحترام النفس، واحترام الغير والبر بالوعد، وكذلك القيام بما يستوجب القيام به لحفظ ماء وجهه او لراحة ضميره! طبعًا إذا كان الضمير يعمل بشكل جيّد أو مجرد الصدق بالوعود وتنفيذ ذلك على أرض الواقع، وفي الحقيقة عليه الا ينتظر مديحًا أو شكرًا من أحد إذا صدق العزم وضح السبيل وصفت النوايا.
الا انه يترتب على المرء ايًا كان هذا المرء أن يمعن النظر قليلًا من حوله وربما أبعد قليلًا في محيطه، ويلاحظ عن كثب من خلال تساؤلات عديدة قد تتبادر الى ذهنه فيما يخص الوفاء وتصرفات الناس مع أنفسهم ومع ذويهم ومع بعضهم البعض في التعامل اليومي وفي ألأخذ والعطاء وفي الوفاء بينهم فيما يلتزمون به أو فيما يقطعونه على أنفسهم من وعود والتزامات.
فبدون ريب قد يقف هذا المرء في حيرة، ماذا يقول لنفسه، وماذا يجيب على الاسئلة التي طرحها على نفسه ايضًا، وكذلك قد يكون مستغربًا لما يراه ويلاحظه من عدم الاكتراث، من اللامبالاة، من التنكّر والانكار، من الاستهزاء وغير ذلك من التعابير السلبية التي إحتلت مكان الوفاء وأخذت تتأصل في نفوس البشر، فهذا لا يهتم بالوعد الذي قطعه على نفسه، وذاك قد ينكر التزامه، وآخر قد يسخر مما يسيء الوفاء، وسواه غير مبالي وقد لا يهمه ظهوره بين الناس بشكل غير لائق ولا... ولا... ولا...، وجميع هذه التعابير تدل على ان الوفاء في هذه الايام في مأزق وفي ضائقة لا تعمل في صالح الناس وعلاقاتها ببعضها وانما العكس هو الصحيح.
واذا اراد المرء ان يتعمق أكثر في هذه الظاهرة لوجد ان الامر أقسى ضراوة وان الوفاء بين الناس شبه مفقود، فوعود بلا وفاء والتزامات خاوية خالية من كل مضمون، وتنكر شديد لوعود قد قطعها المرء على نفسه دون التزام وكما يقول المثل الشائع "ينكر الحلو وأثره"، هذه الامور وغيرها قد تؤدي الى خلط الحابل بالنابل، وخلق مشاكل بين الناس، وربما بين الاخوة والاهل، لان النظم الاجتماعية والثقافة البيتية والعائلية والاجتماعية يترتب ان تكون أصلب من كل المؤثرات والمستجدات، فالوعد وُجِد لينفذ، والالتزام يجب ان يتحقق لا يهم من صاحبه ولا يهم من الذي سيحظى بالوفاء به، فالامر يتطلب التقييم من جديد للتصرفات المسيئة للعلاقات بين الناس.
من ناحية أخرى لا يمكن لأحد ان ينكر ان الدنيا مليئة ايضًا بالاوفياء الذين هم عماد التعامل الايجابي والانساني بين الناس، وهم الذين يحافظون على التوازن في العلاقات بفضل قيمهم الخيرة والتي يشكلون فيها نموذجًا حيًا لغيرهم من نوع آخر، فبارك الله في هؤلاء ووفقهم في صيانة المجتمع والحفاظ عليه.
أخيرًا من الواجب على كل انسان وصاحب ضمير حي ان يتجنب كل تصرف من هذا القبيل ويحث ويعمل على استئصال هذه الظاهرة من صفوف المجتمع والعمل ايضًا على الوفاء بالوعود، والبر بها والتعامل بصدق لان الصدق هو اساس الوفاء لان ذلك يمكن ان يحمي المجتمع من التصدع ويعمل على تعميق ترابط انحائه وشرائحه في كل حين.
(أبوسنان)
