لنتبتعد عن التشنج والذاتية والشخصنة

single

*إنجاح أعمال المؤتمر الطارئ لحزبنا الشيوعي الإسرائيلي مهمة كل رفاق الحزب ومؤسساته وأطره من القاعدة إلى القمة*


عندما انضممت في بداية الستينيات الى صفوف الشبيبة الشيوعية، كانت الأكثرية من العمال الذين يعملون في البناء وخارج قرية أم الفحم آنذاك. وعندما حصلت على الشرف الكبير، ترفيعي لعضوية الحزب، كانت التركيبة نفسها. وهكذا في لجنة المنطقة الحزبية، ولجنة منطقة الشبيبة، الأكثرية عمال أجيرون. الوضع تغير في السنوات الأخيرة، فروعنا، مؤسساتنا الحزبية المحلية والمنطقية، والمركزية تغيرت تركيبتها الطبقية الاجتماعية، زاد عدد الذين بكل بساطة بالإمكان تعريفهم برجوازيين صغارًا، وربما أكثر، نشأت عندنا فئة وسطى، وبعضنا انضم طبقيًا للمقاولين في الكثير من الفروع الاقتصادية



في 12-13/12/2014، سينعقد المؤتمر الاستثنائي لحزبنا الشيوعي اليهودي العربي العريق الذي سيحتفل بعد سنوات قليلة بعيده الذهبي، المئوي. من الواضح انه من الصعب جدًا، لا بل يكاد يكون مستحيلا في مداخلة أو مقال في الاتحاد الغراء، التحليل العلمي، المبدئي، الماركسي اللينيني، لوضع حزبنا التنظيمي، السياسي والفكري. وإعطاء الأجوبة المبنية على التحليل الموضوعي القائم على الانتقاد والانتقاد الذاتي.
السلطة الرأسمالية العنصرية، المعادية بطبيعتها الطبقية لحزبنا الشيوعي الاممي، والحركات والأحزاب القومجية والأحزاب الدينية في المجتمع العربي اتخذت من معاداة حزبنا دينًا لها، طارحة نفسها البديل لنا بين الجماهير، مدعومة علنًا من "الاخوة العرب" في مصر، السعودية، قطر والأردن. مدعومة بالمال، الدولار، الدينار، الريال، ومن الاتحاد الأوروبي الذي يموّل نشاطات الكثير من هذه المؤسسات والأحزاب والجمعيات.
وقد يقول قائل، دائمًا عانى حزبنا من السلطة الظالمة وعملائها، إلا انه صمد، تطور، حقق انجازات جبارة في جميع المجالات، واعتقد ان هذا صحيح الى حد كبير. والسؤال الذي يجب ان نوجهه لأنفسنا: هل مبادئنا الفكرية، تنظيمنا الحزبي، برنامجنا السياسي أثبتت الحياة صحته على ارض الواقع أم عكس ذلك؟
والجواب في رأيي نعم، بدون تأتأة. الجواب بنعم، ليس من اجل ان أُعفي نفسي أو نُعفي أنفسنا من التفتيش عن أسباب تراجعنا وأزمتنا الحزبية، أبدًا. بل من اجل إعطاء أنفسنا الإمكانية للتحليل الموضوعي، بدون الأجوبة الجاهزة سلفًا، وبدون الأجوبة المطلقة، فالحقيقة نسبية، هكذا علمتنا الماركسية.
للتذكير فقط اذكّر أنفسنا اننا قبل نصف قرن (عام 1965) مررنا كحزب بانشقاق صعب مؤلم، اضطررنا نحن الذين بقينا محافظين على تركيبتنا الأممية، اليهودية العربية، كالقابضين على الجمر، ان نبدأ بناء حزبنا من جديد.
فخلال فترة قصيرة، أعدْنا بناء الحزب الاممي من القاعدة إلى القمة، أعدنا تمثيلنا في البرلمان، في المنظمات العمالية والنسائية وغيرها.. بالرغم من الهزيمة النكراء 1967، واحتلال سيناء حتى قناة السويس، والضفة الغربية، والجولان السوري الأشم. لم نصب باليأس وقاومنا الاحتلال البغيض منذ اللحظة الأولى. حتى جن جنون السلطة المتغطرسة واعتدوا جسديًا على رفيقنا السكرتير العام ماير فيلنر.
سرنا إلى الأمام تحدينا روح الهزيمة واليأس، قوّينا حزبنا الشيوعي، أقمنا التحالفات والجبهات المحلية. أقمنا الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وفي عام 1975 حققنا انجازًا عظيمًا، فلأول مرة ينتخب شيوعي قيادي رئيسًا لبلدية في الشرق الأوسط، نعم لأول مرة، طيب الذكر الرفيق توفيق زياد.
صنعنا مع الآخرين يوم الأرض الخالد، الذي كان له وما زال تأثير ليس على جماهيرنا العربية الفلسطينية التي بقيت منغرسة في تراب وطننا الذي لا وطن لنا سواه، بل على الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، في الضفة الغربية وغزة هاشم وفي الشتات وبكل تواضع كان لهذا اليوم العظيم تأثير معين على القوى الوطنية في العالم العربي.
ساهمنا مساهمة كبيرة جدًا في بناء المؤسسات الوطنية النضالية الجماهيرية العربية، لجنة الدفاع عن الأرض والمسكن، لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية، ولجنة المتابعة العربية، من خلال عشرات رؤساء السلطات المحلية أعضاء الحزب الشيوعي والجبهويين وأصدقائهم.
تجاوزنا كحزب شيوعي الانهيار الكبير، انهيار الاتحاد السوفييتي، والمنظومة الاشتراكية على علاتها ونواقصها، وأصبح العالم يُحكم بغطرسة من قطب استعماري واحد وانكشف ظهر الشعوب، ونشأ وضع جديد في العالم، هيمنة شبه مطلقة للرأسمال وسلطته الاستعمارية ولشركاته عابرة القارات.
مما لا شك فيه ان لهذه التطورات كان تأثير على العالم برمته، على الطبقة العاملة العالمية، على حركات التحرر العالمي، وعلى حركة التحرر الفلسطينية، وأيضًا علينا نحن الحزب الشيوعي الاممي.


أزمتنا التي تجلّت بحدّة*


ومرة أخرى نسأل أنفسنا، هل هذه الأمور هي المسؤولة الوحيدة عن وضعنا وأزمتنا التي تجلّت بحدّة اكبر وأقوى في انتخابات السلطات المحلية، وبالذات في مدينة الناصرة؟ الجواب واضح ان هنالك أسبابا، موضوعية، سياسية، وأسبابا ذاتية تنظيمية حزبية صرف. وأيضًا من الصعب في هذه المداخلة المتواضعة التطرق لجميعها، ودراستها وتحليلها، أريد ان أشير الى بعضها:
التركيبة الاجتماعية الطبقية لأعضاء وقيادة الحزب، في الفروع، المناطق، ومركز الحزب أي اللجنة المركزية ومؤسساتها.
اذكر انه عندما انضممت في بداية الستينيات الى صفوف الشبيبة الشيوعية، كانت الأكثرية من العمال الذين يعملون في البناء وخارج قرية أم الفحم آنذاك. وعندما حصلت على الشرف الكبير، ترفيعي لعضوية الحزب، كانت التركيبة نفسها. وهكذا في لجنة المنطقة الحزبية، ولجنة منطقة الشبيبة، الأكثرية عمال أجيرون.
الوضع تغير في السنوات الأخيرة، فروعنا، مؤسساتنا الحزبية المحلية والمنطقية، والمركزية تغيرت تركيبتها الطبقية الاجتماعية، زاد عدد الذين بكل بساطة بالإمكان تعريفهم برجوازيين صغارًا، وربما أكثر، نشأت عندنا فئة وسطى، وبعضنا انضم طبقيًا للمقاولين في الكثير من الفروع الاقتصادية.
هذا الوضع ناتج بالأساس عن التطور الاجتماعي الطبقي في إسرائيل، وفي مجتمعنا العربي. هذا الانقسام الطبقي الواضح في مجتمعنا العربي، أدى الى ظواهر استغلال طبقي بشع ففي أحسن الحالات يدفع أصحاب العمل، مكاتب المحامين، المحاسبين، المهندسين وغيرهم اجر الحد الأدنى الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
علّمتنا الماركسية اللينينية ان وضع الإنسان الطبقي الاجتماعي، البيئة التي يعيش فيها، تحدد الى حد كبير فلسفته وسلوكه وتصرفاته.
هذا لا يعني أبدا ان كل صاحب مكتب، أو مكان عمل، سلوكه وتصرفاته سيئة، أبدًا، الأمر ليس كذلك. إلا ان الأمر يعني انه من الضروري في مثل هذا الوضع الطبقي الاجتماعي، عند الرفاق والأصدقاء، على الحزب ان يقوي التثقيف الفكري الماركسي اللينيني لرفاقه.
وبكل مرارة الأمر ليس كذلك. البعض ليس قارئًا لصحيفة الاتحاد – أما الجديد، الدرب والغد، لفظت أنفاسها والخطر يتهدد الاتحاد أيضًا.
الدورات الفكرية السياسية في الحزب تكاد تكون معدومة، بعض الدورات تعقد هنا وهناك، وبالذات في الوقت الذي يدور صراع فكري، سياسي اجتماعي في مجتمعنا العربي. الصحف الحزبية المجانية، مثل المدينة في أم الفحم، الصراط حال لسان الحركة الإسلامية، الميثاق صحيفة الشق الجنوبي، فصل المقال وغيرها العديد من الأسبوعيات غير المؤطرة حزبيًا إلا ان لها أجندة وهي ليست محايدة كما يدعون. قال إميل حبيبي: "لا حيدة في جهنم".
نرى ذلك بوضوح في موقف هذه الصحف "المحايدة" من المؤامرة على سوريا مثلا، من موقفها من الحزب الشيوعي، وبالذات من تركيبته اليهودية العربية. ومن محاباتها لأصحاب العمل، فهي تعيش على إعلانات هؤلاء، وعلى إعلانات المجالس المحلية والبلدية.
الأمر الآخر الذي أريد التطرق إليه، الترهل التنظيمي من القاعدة إلى القمة.
كلنا نذكر تلك الفترة التي سُحر الحزب بها، فترة سيئ الصيت غورباتشوف، حيث دافعنا عن توجهات "غوربي"، بذريعة ان من لا يريد غوربي سيضطر لقبول يلتسين. هكذا قال السكرتير العام الرفيق ماير فيلنر على مسمعي في اجتماع اللجنة المركزية.
باسم الديمقراطية كانت بداية ضرب التنظيم الحزبي اللينيني، التخلي عمليًا عن الديمقراطية المركزية، وعن الطاعة الحزبية، أي بكلمات عملية أكثر، خلخلة البناء الهرمي، من القاعدة إلى القمة. وهكذا انتشرت وترعرعت الآراء والأفكار التي لا ترى حاجة لوجود خلايا وجماعات دورية منتظمة، وهكذا تدريجيًا تهلهل التنظيم في الفروع والمناطق، وفي الهيئات المركزية التي عجزت عمليًا عن تنفيذ قراراتها حتى على نفسها، ناهيك عن عدم استطاعتها تنفيذ القرارات المتعلقة بالهيئات والمؤسسات الأدنى منها.
للأسف الشديد انتشرت الشخصنة والذاتية.
هنالك بعض الهيئات المنطقية، وبعض اللجان المنطقية لا تجتمع، ولا يوجد لديها فروع منظمة. والهيئة العليا عاجزة عن إصلاح الوضع.
أقول هذه الحقائق ليس لتصوير ان كل الوضع قاتم، أسود، وليس من أجل تيئيس الرفاق. أبدًا. الحقيقة انه بالرغم من الواقع التنظيمي الصعب هنالك قاعدة حزبية متينة صلبة تمكننا من إصلاح الوضع التنظيمي والتقدم إلى الأمام وتوسيع صفوف الحزب.
من خلال صلتي المتواضعة مع رفاق الكادر في مدينة أم الفحم، وبعض قراها، لمست من ناحية إحباطا من الوضع التنظيمي الحزبي، ومن الناحية الثانية تمسكا بمبادئ وسياسة الحزب، واستعدادًا للاشتراك بنشاطات الحزب إذا ما استعد الحزب للتعلم من الأخطاء، والمبادرة لإعادة التنظيم الحزبي والعمل بين الجماهير وخوض الصراع الفكري، وعدم التحدث بتأتأة بالقضايا الملتهبة، مثل ما يجري في سوريا. والموقف من السلطة الفلسطينية والتعاون الأمني مع إسرائيل. ومن التركيبة الأممية للحزب ورؤيتها مصدر قوة، وليس التفتيش عن الأصوات وعدها بعد كل انتخابات كنيست في المدن والقرى اليهودية، كما فعل ويفعل البعض، هذا انحراف وليست أممية.
تجربة فرعنا الحزبي في أم الفحم في الاشهر الثمانية الأخيرة، منذ ذكرى يوم الأرض الأخير، إضراب المعتقلين الإداريين، مقتل الفتى المقدسي، والحرب العدوانية على غزة استطاعت اللجنة المحلية بعملها الجماعي، تجنيد الرفاق في الحزب والجبهة للنشاط الحزبي الجبهوي الجماهيري. نجحت بإعادة العمل الموحد في القضايا المفصلية مع الآخرين، وعزلت الأصوات النشاز التي لا تريد العمل المشترك مع الحزب والجبهة بسبب موقف الحزب من المؤامرة على سوريا. والموقف من حركة "الإخوان المسلمون" وأمثالهم مثل حماس، والحركة الإسلامية بشقيها، الجنوبي والشمالي.
اعتقد جازمًا أنه بإمكاننا ان نجعل من هذا المؤتمر الاستثنائي رافعة لعملنا، إذا ابتعدنا عن التشنج والذاتية والشخصنة وعن قطف الرؤوس بدلا من معالجة القضايا العالقة الملحّة.
وإذا استطعنا التأكيد مجددًا وبقوة على التمسك بمبادئنا، بتنظيمنا الاممي اليهودي العربي الذي يميزنا عن الآخرين، وإذا قمنا بحملة تثقيفية فكرية سياسية واسعة وعميقة من القاعدة إلى القمة، نعم القمة هي المثال الذي يجب ان يحتذى به.




(أم الفحم)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الهوية الطبقية هي الأساس

featured

روميو وجولييت مجتمعنا

featured

السكوت الفلسطيني جريمة

featured

ما المقصود من هجوم نظام مبارك على حزب الله؟

featured

القضية الفلسطينية إلى أين.. ؟

featured

إحتكار.. إحتقار.. وأخطار!

featured

حكام السعودية والقضية الفلسطينية

featured

ألمرحوم أبو حسين نجيب عجمية عامل وفلاح يُحتذى بسيرته