ألمرحوم أبو حسين نجيب عجمية عامل وفلاح يُحتذى بسيرته

single

إنتقل إلى رحمته تعالى يوم الخميس الموافق 5/5/2010 الشيخ المرحوم أبو حسين نجيب عجمية ابن قرية يانوح الجليلية، الفلاح والعامل منذ ولادته عام 1924 وحتى وافته المنية. وقد رأيت من واجبي أن أدون محطات من سيرة هذا الرجل العادي جدا  وكما هما والدي ووالدتي أطال الله بعمرهما (واللذين كانت تربطهما بالمرحوم علاقة الجيرة والصداقة الأهلية الصادقة)، وهذه الصفة (الناس العاديين) تنطبق على حوالي 95% من أهلنا العرب الفلسطينيين القرويين الذين تمسكوا بأرض الوطن وهم هم ملح هذه الأرض، ولأن فقيدنا المرحوم بهذه الصفة والمكانة بالذات، لذلك يأتي هذا الذي سأدونه كشهادة حق لسجله في بعض الأمور ذات الدلالة، هذا من جهة، ومن باب عدم الرضوخ لمقولة  كوردِل هَل ونظريته الإستعمارية (وزير الخارجية الأمريكية 1933-1944)  من جهة أخرى، والذي قال:" إذا أردت أن تلغي شعبا ما، تبدأ بِشلّ ذاكرته التاريخية، ثم تشوِّه لغته وتجعله يتبنى ثقافة أُخرى غير ثقافته، ثم تُلَفِّقُ له تاريخا آخر غير تاريخه وتعلمه إياه.. عندئذ ينسى هذا الشعب من هو ومن كان وتندثر معالم حضارته، وبالتالي ينساه العالم ويصبح مثل الأمم المنقرضة..".
 قريتنا يانوح تقع في أعالي الجليل الأعلى الغربي من أرض الوطن، عام النكبة في 48 كان عدد سكانها 486 نسمة ومنهم المرحوم، وفي حينه لم يصلها لا شارع ولا كهرباء ولا مياه، ورغم حدوث معركة يانوح الشهيرة والتي كانت عام النكبة والتي انكسر فيها الجيش الاسرائيلي، وحتى زمننا هذا والذي من أهم معالمه المحلية معركتنا المتواصلة منذ السبعينيات من القرن الماضي لإبقاء ومن ثم لإرجاع المنطقة الصناعية التوفانية الى منطقة نفوذنا وحماية ما تبقى لنا من أراض خاصة والذود عن منطقة نفوذ مجلسنا، حيث أصبحت قضيتنا/ معركتنا هذه من القضايا القطرية الساخنة جدا على كل المستويات: ألحكومي والبرلماني والإعلامي والشعبي والحزبي ومن أقصى اليسار.. إلى أقصى اليمين، وما جرى في يانوح ما بين الحدثين وتباعا للحديث، عمليا جرى في قرية نائية فقيرة تعيش الحياة القاسية وأهلها بسطاء في عيشتهم وممارستهم، وفي المفاهيم السياسية العصرية يعني ناس عاديين وغير مُسيَّسين وما إلهُم دعم وهم عُرضةً للنهب والسلب، ألأمر الذي جاء لنا بمصيبة مصادرة 10300 دونم كانت أراضي خاصة لأهلنا من أصل 12977 دونما..!، وهذه هي الخلفية التي نشأ فيها المرحوم والتي تجعله بجدارة عنوانا لعملية التدوين هذه.
وتطبيقا للمشروع الصهيوني الهادف إلى تجريدنا من أرضنا كان المرحوم وأيضا جدي المرحوم ابوفارس سليمان فارس سيف الوحيدين اللذين تصديا لعملية المصادرة الظالمة والفاشية هذه، ولم تنطل عليهما كل الأحابيل ولم تخفهما كل التهديدات ولم تلوِ ذراعيهما كل الضغوطات ولم تزحزح قناعاتهما كل المحاولات وصمدا في هذه المنازلة الشريفة العفيفة النظيفة المشرفة صمود الجبال والجبابرة، ورغم الإختلال في موازين القوى، والدليل الساطع والقاطع على نجاحهما أنهما الوحيدان اللذان لم تنجح المؤسسة الصهيونية من سلب سوى 16% من أراضيهما ( نسبة السلب القطرية تصل الى 82% )، وهذه هي المحطة الأجدر بأن تسجل في حروف من ذهب في ذاكرتنا الجماعية النضالية ومن المفروض ومن المصلحة أن يُحتذى بها .
كلنا يعرف ويحس ويدرك أن تفضيل المصلحة الذاتية أصبح العنوان لممارسة فئات لا يستهان بها من مجتمعنا العربي ومن صفات سلوكه.. وليس صدفةً، لذلك أي ظاهرة أو حدث تسطو فيه عملية نكران الذات وتغليب المصلحة العامة فيه/ فيها، أصبحت كأنها عمل صعب ونادر كما العملة الصعبة والنادرة، وما تبرع المرحوم ابوحسين نجيب بمساحة أرض للبناء تتعدى الدونم ونصف الدونم لصالح بيت الشعب في القرية سوى انعكاس لكرم وجود وصفات هذا المرحوم والتي يجب وواجب أن تكون مثلا ونبراسا يحتذى بهما.
ألمحطات للإشارة والدلالة المتعلقة بالمرحوم كثيرة، وللاختصار أرى واجبا ذكر حدث آخر يتعلق بالمرحوم وله علاقة بحالة التملق والنفاق السياسي والإجتماعي وغيره المتجذرة والمسيطرة على ذهنية كثيرين وهي مُضِّرة جدا، عام 1988 وفي سيرورة معركتنا الفاصلة للمحافظة على المنطقة الصناعية التوفانية ومنطقة نفوذ مجلسنا  مع الصناعي ستيف فارتهايمر والمؤسسة الصهيونية والسلطة الإسرائيلية الداعمين له في أكثر من 95% من الأحوال، نجحت هذه الجهات بإقناع القيادة المحلية عندنا بالتوقيع على وثيقة فيها تزوير لحقيقة مصادرة أرضنا والتنازل عن حقنا في التوفانية، وجرت المنازلة الأساسية في هذا الشأن في خلوة البلد، والوحيد الذي كان في صفي ورفضنا معًا التوقيع أو الموافقة ، ولا من أيّ كان، على هذا التزوير الفاضح والمُضِّر من بين هذه القيادات هو المرحوم ابو حسين، وبالفعل نجحنا في حينه بمنع هذه الجريمة وبمساعدة المئات من باقي اهل البلد، ولكن يبقى للمرحوم صفة من يجاهر بالحق ويدافع عنه ولا يخشى في سبيل ذلك لومة لائم ولم يثنه لا الترهيب الذي كان مسيطرا ولا أن هذا الفعل هو فعل متطرفين وشيوعية.
قانون بقاء المادة  يقول: " ما من شيء في الطبيعة ينشأ من لا شيء، ولا يزول أبدا دون أثر، بل يتحول فقط الى أشكال أخرى من المادة" . هذه الملاحظات المتواضعة أتت من سيرة وسيرورة هذا الشيخ العادي المرحوم،  وممنوع أن تزول لا بحكم نظرية كوردل هَل ولا غيره، ويبقى أثرها يُطيِّب النفوس ويشحذ الهمم ويوحي لنا بالتمسك بقيم السلف الصالح ولنحتذيَ بها وبهم. رحمة الله عليك يا شيخنا العاديّ والمُحتذى به.

 


(يانوح)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الاشتراكية ذات الخصائص الصينية

featured

جورج قرم .. عن "عودة" الدين إلى السياسة الدولية

featured

هدية الاحتلال للسلطة الفلسطينية!

featured

تليق بهؤلاء الحرية والدمقراطية تمامًا كما تليق البرذعة على الغنمة

featured

ولنطلب الحرية حتى في قطر!

featured

تخجل الارض والقدس من حالنا

featured

ما بعد محادثات فيينا

featured

تحيّة صمود لقناة "الميادين"