كان من المفروض أن أصل إلى تل أبيب خلال خمسين دقيقة، لأنّني ركبت القطار «المباشر السريع»؛ ذلك القطار الذي "يختصر" الزمن ويُشعرك بقِصَر المِسافة، أيضًا، خلافًا لباقي القطارات المتّجهة من حيفا إلى تل أبيب.
ورغم أنّني كثير التَّجوال والسفر، مُستخدِمًا وسائل النقل المختلفة كافّة؛ أعترف بأنّني أهاب السفر جدًّا، وفي كلّ مرّة أكْتَرِي (أستأجر) فيها أيّة وسيلة نقل كانت، تراودني مخاوف تتعلّق بحوادث الطرق؛ فكم بالحَرِيّ وأنا داخل هذا القطار، الذي شهد توأمُه، قبل أيام قليلة، فقط، حادث طرق مباشرًا؟!
ركبت القطار - كما ذكرت، آنفًا - لأجد مقعدًا واحدًا شاغرًا أرمي جسدي المتعب عليه، فكانت المَهَمّة شبه مستحيلة؛ فمن الصعب أن تجد مقعدًا شاغرًا في قطار يوم الأحد المكتظّ جدًا (وخصوصًا بالجنود) - كباقي قطارات إسرائيل، غالبًا - والذي لا تجد فيه حتّى مكانًا للوقوف أحيانًا..!
"خمسون دقيقة "ستسير" (ستمرّ) سريعًا، كسير هذا القطار المباشر السريع" - هكذا حدّثت نفسي؛ وجلست على أرضيّة القطار، قرب أحد أبوابه.
"إنّه قطار مباشر إلى تل أبيب.." - هكذا أعلنت عبر مكبّر الصوت - باللغة العبريّة، فقط! - إحدى موظّفات شركة قطار إسرائيل.
وبعد دقائق عديدة - وفي محطة "عتليت" تحديدًا - توقّف هذا القطار "المباشر السريع" دقائق عديدة أخرى ليسمح لقطار من الاتجاه المعاكس بالمرور، ثم استمرّ في سيره.. ليتوقّف في طريقه «المباشر» مرّة أخرى، دقائق إضافيّة، ليسمح لقطار آخر من الاتجاه المعاكس بالمرور كذلك، ثم استمرّ في سيره مجدّدًا.. فجاءنا، لاحقًا، صوت الموظّفة معلنًا، باللغة العبريّة طبعًا، أنّ القطار - وبقدرة قادر - لم يعُدْ "مباشرًا سريعًا"، وتحوّل إلى قطار مُجمِّع (מאסף)!! وأنّه سيتوقّف في محطّات عدّة في طريقه «المباشر» إلى تل أبيب؛ كلّ ذلك بمُنتهى الوقاحة، ومن دون إبداء أيّ اعتذار يُذكر إلى مئات المسافرين!
كيف يمكن لهذا القطار أن يحوي عددًا أكبر من المسافرين، إن لم يكن هناك مكان للوقوف فيه، أصلًا؟! ولا حاجة إلى الخوض هنا، مطوّلًا، في تأفّف المسافرين والاكتظاظ الهائل، وتوقّف القطار المستمرّ عدّة مرّات أخرى.. ليتحوّل سفرك في القطار «المباشر السريع» من قطارات إسرائيل التكنولوجيّة «المتطوّرة» لعام 2011، إلى سفر مُنهك، مُهين - حتّى دول العالم الثالث تخجل أن تفعّل قطارات كهذه - فتصل هدفك بعد قرابة الساعة والربع، بدل الخمسين دقيقة.
أنا لم أدفع ثمن بطاقة السفر كي أقعد القُرْفُصاء (أتربّع) على أرضيّة القطار، أو أقف طول الطريق! لتوفّر شركة القطارات تشغيل قطار آخر! فتوفّر الأموال على حساب المسافرين وراحتهم!
هذا، وقد أصبح السفر في قطارات إسرائيل، مؤخرًا، حافلًا بالمخاطر التي تهدّد حياة المسافرين؛ إذ تحوّل سفرك "السريع، المريح، الآمن، والدقيق"، إلى سفر بطيء، منهك، خطر، وغير دقيق.. عبر قطارات إسرائيل 2011، البعيدة كلّ البعد عمّا تمثّله شبكات القطارات العالميّة والأوروپية، وحتّى العربيّة؛ فالتأخير وعدم احترام عامل الزمن، وانعدام المقاعد الشاغرة في القطارات، هو روتين شبه يوميّ تشهده خلال سفرك في قطارات إسرائيل، وكلّ ذلك من دون إبداء أيّ اعتذار إلى الركّاب أو تعويضهم!!!
حادث تلوَ الآخر يعصِف بقطارات إسرائيل، فيتصدّر عناوين الأخبار يومًا أو يومين، لتعود الأمور إلى مجاريها وطبيعتها الأولى، وكأنّ شيئًا لم يكُن، إنّها البَلادة واللامبالاة، إذًا، وإنّه الفساد.
والقطار القادم سيترك المحطّة قريبًا، ويغادر.. محمَّلًا بمئات المسافرين والمخاطر، من دون حَسيب أو رقيب!
هذه هي شركة قطار إسرائيل الحكوميّة لعام 2011: احتكار لوسيلة نقل، واحتقار للمسافرين، وأخطار تهدّد حياتهم!!
