رام الله في يوم صافٍ
بقليل من الصعوبة عثرنا على ضريح ياسر عرفات، ترجلنا للقيام بالواجب، واجب لا يتجاهله الا جاهل أو جاحد او حاقد لعين. كيف لا وعرفات القديس الولي قضى فقيرا على جمر القدس قابضا وللأشبال حاضنا والحقوق حاميا ولامانة أهل فلسطين امين. أخطأ أحيانًا في السياسة بالتأكيد؛ اوليس هو بشرًا؟ فاستسهال الردح والشتيمة من شيم اهل الحقد والبطالة عن العمل النافع قاعدين.
كنت اود ان اسأل ابا عمار؛ اتذكر يوم حاصرك المنشقون وذئب الغدر متقمصا اسم الملاك جبريل في طرابلس في 1983، يومها منوا نفوسهم المريضة بأسرك وجرك في شباكهم ضعيفا الى الخدام (عبد الحليم خدام) وغازي كنعان مرعب الابرياء بالملايين الى ان جاءتكم فانقذتكم من مخالبهم بواخر الفرنسين؟.. اصفحتم عن الخونة يا سيدي؟
لم اقبض منكم يوما ولا وضعتم اسمي على لوائح القبض آخر الشهر وانا من أشهرت سيف منظمة التحرير يوم كان الانتماء للوطن جريمة نُحر من اجلها كثيرون؛ لم يكن آخرهم عمي محمد عمر شعبان في مخيم شاتيلا؛ جريمة اهتزت لها الضمائر، والمكنّى ابو "السرامي" كما يسميه اهل مخيم شاتيلا وقبلهم تل الزعتر جزاء عمالته للمكتب الثاني اللبناني (ابو سمير) وعصابتهم طربين لنجاح جريمتهم مقهقهين وللعدالة مانعين. اتذكر يا سيدي يوم تفضلتم بتشريفي بردكم (رسالته مفتوحة الى الرئيس ياسر عرفات، جريدة السفير البيروتية، الثلاثاء 14 ايلول 1993) فجاء ردكم شافيا للروح ومبردا لقلوب امهات وآباء الشهداء الميامين.
اتذكر يا سيدي يوم كتبت دفاعا عن منظمة التحرير في دامس الظلم القاهر واجرام سجانين ماتت الرحمة والانسانية في قلوبهم وعظام العرفاتيين واسنانهم في سجون اسياد المنشقين والحشاشين واقبية مخابرات غازي كنعان كاسرين. في حضرة الظلام يومها بلا مواربة آذنا معلنين "منذ زمن بعيد وفي اكثر من مناسبة، ومن خلال دراسات ميدانية قام بها الباحث الحالي اكد الفلسطينيون في لبنان تمسكهم ودفاعهم عن م.ت.ف. كممثل شرعي وحيد لهم، وبفطنتهم وحدسهم كانوا قادرين على التميز بين القيادات والافراد بين التاريخ والثورة التي كانوا هم صناعها ووقودها. واذا كان الافراد الى زوال فالثورة باقية وستبقى منظمة التحرير الفلسطينية. اما اولئك الراقصون على وقع النازلات مكتفين بتذكير المناضلين والشعب بأقوالهم، فقد رأى ويرى ابناء المخيمات افعالهم وهي ليست اقل سوءا من ممارسات وسياسة من يشتمون صباح مساء." (الذكرى الثالثة والثلاثون لانطلاقة الثورة: ماذا بقي من منظمة التحرير الفلسطينية؟، السفير البيروتية، الاربعاء 31 كانون الاول/ ديسمبر 1997).
*مفارقة غريبة*
اجتاحتني رغبة الوقوف على ارض المقاطعة، لكن ضابطا مؤدبا اخبرنا انها للزوار أمثالنا من المواطنين مغلقة الا بإذن... كدت اصرخ على "العنيد" طيب القلب، صادق اللسان خليفتكم الرئيس المنتخب ابو مازن في المحافظة لأسأله، لكني ابتلعت لساني لأن اللواء ذيب سمور ابو محمد وهو من خيرة الرجال والمناضلين ممن وجبت زيارتهم للتبرك من ايمانهم واهل غزة على نار انتظار الوحدة قابضين؛ لم يضمن لي او هكذا فهمت دخولا آمنا الى غزة فآثرت تجنيبه ونفسي ما لا تحمد عقباه على يد زنادقة باسم الله يكرسون الفرقة، يبنون القصور، بتقبيل فتاوي الضال متجلببين، وجواز السفر الفلسطيني بغير حق له مانحين. مفارقة غريبة يا سيدي، وانا وغيري وعشرات آلاف بل مئات الفلسطينيين في بقاع الارض مشتتين ليس من حقنا تزيين صدورنا وبيوتنا بجواز سفر فلسطيني لا حاجة لنا به الا الاعتزار والفرح اننا ابناء واحفاد شعب الجبارين.
في سوق رام الله انشرح صدرنا الثلاثة وفرحنا بحديث تاجر ذهب بالصدق والحق مسكوب وبمختصر الكلام نطق بفرح وهو يعرض بضاعة مزدانة، وبائعة حلى جميلة تحسب رقة كلامها وصدقه مداعبة لأعصاب ارقتها موانع وحواجز الظالمين. في مطعم او قهوة نساء جلسن الى جوار نرجيلة يقتلن الزمان بانتظار حبيب، شقيق، زوج، اخ، اب او أم جورا اسرهم المحتل اللعين. نساء جمعن بين السترة وحب الحياة فكانت الوسطية والاعتدال ترضي الخالق وعبده في مشهد فريد. لينزع عني آثار الحوار الصاخب مشذبا روحي قال ابو اليسار؛ هل تريد ان تتكلم الى محمد البكري، نعم، قلتها بلا تردد او تأجيل. ناولني الهاتف قبل ان يأتيني من البعنة صوت اعرفه افرحني، قدمت نفسي فرد وعذوبة صوته وصدقه تصدح "اهلا يا حسين" فاستحضرت روحي وذاكرتي عبارات "احنا خرطوش فردك يا عمي حسين" عبارات ابو هادر الكبير شفيق الحوت يوم كان يشد من عضدي ويشحذني لتحدي اقزام لبسوا ثوب الطغاة يوم رحل في 1982 على السفن الى منفى جديد رجال عرفات الميامين.
أخيرا وفي بداية ما احلى عذوبة لقائها، وصل من فور علمه اننا في رام الله لاستقبالنا ابو صطيف؛ محمد غضية - ابو لؤي. في الجامعة، اربعة اعوام تشارك نفس المقعد الدراسي. كل عام اسأله؛ كم عمرك يا ابو صطيف؟ فيرد؛ اربعين. ما بك يا ابا صطيف؛ اربع سنين والرقم اربعين لا يتزحزح عن لسانك؟ علت قهقهة ابو صطيف التقليدية وهو يقول؛ انا لم اعرف الكبر مذ وطأت قدماي صوفيا. اربع سنين، خمسا، عشرا واهل التزمت والتعصب الاعمى في امر الصداقة بين ابناء الام؛ "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" وابنها العاق "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" حائرين، فحاكوا علينا الدسائس وبالارطال القوا علينا التهم مجترين. آخر طب الكيل كما يقول اهل حوران الاصليون، راح الناعقون يندبون وقلوبهم بالحقد والكراهية فاطرة ابو صطيف..... ومجيد، واحمد داوود، وابو معروف.... وغيرهم كثيرون عن الجبهة الشعبية منشقين. سامحك الله يا عماد الكوتشي وصديقك البرغوث مستشار فياض يوم كان رئيس حكومة فلسطين.
*سرّ اكلة المغربية*
كان ابو اليسار يعلم ما يسر ويطفح به قلبي من حنين فمنعني من حمل حقيبتي حتى قبقابي وانتم اكبر قدر لم احمله، ومذ تعرفت الى قسطندي قبل عقود كان لي خير معين. الين تحتضنني عند الباب، انحبست الدمعة في المقلتين وبريق عينها يذكرني وانا محاصر في مخيم شاتيلا صيف وخريف 1985. غامرت يومها الين بنفسها عابرة حواجز القتلة الطائفيين لتزور اهل المخيم المحاصرين وتعلمني قائلة؛ "عتمان" (عثمان، اسمي الحركي) مبروك على منحة الدكتوراة، اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري وافقت على طلبك وابو صطيف وعلي حمدان والشباب". لم تكن ام صطيف، ام لؤي الا غازلة خيطان وناسجة ثوب حرير لعلاقة بين عائلتها القادمة امها من دير او كنيسة مشرقية او غربية لا فرق وامي المسلمة المؤمنة بالتعايش والتسامح بين البشر. لماذا وكيف عشقت امي ام صطيف وسر اكلة المغربية التي قدمتها ام صطيف للضيوف والجيران في الشام، فتلك حكاية يعرفها اهل الايمان وعلى دق رقهم يتقلب غيضا وحقدا اهل الطوائف الناعقين بالفتن واحتكار الايمان. وجدت الين فرحة في وطنها ولا تقبل مونتريال، باريس، لندن او واشنطن بديلا لهذا الوطن النهائي.
ها هم قدماء الرفاق يطرقون الباب ليرقص العناق على وقع عناق الاحبة، هذا ابو معروف – نايف جرادة، بسمرته الرائقة، لم يزده البياض الا وقارا، وبريق عينيه يأخذني الى يوم كنت تلميذا يتعلم الدبكة "الشمالية" على وقع قدميه. في 1985 تشكلت "القيادة المشتركة" بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية؛ فعمدنا السياسة بدبكة رقصناها طربا وأملا وقدمناها لزملائنا من بلدان المعمورة تعريفا بتراث اهل فلسطين. عند رأس صف الدبكة يلوح بمحرمته والكتفين يرقصان فنا ونحن الى جانبه ننفذ تعليماته واوامره بصوت رخيم وابو معروف سنديانة او زيتونة تدغدغ صدر الريح على انغام مجوز جدي وجليلي يغني الدلعونة... فجأة نعقت الغربان بالشؤم فمات حلمنا ان نتوحد في جبهة او حزب يلم شملنا ويوحد صفوفنا. لم اكن قد نسيت ابا معروف عندما سألت العطي ابو العبد العائد من فلسطين عن الشباب فردا فردا فقال في ابي معروف واحترام من حوله له كلام لم يقله المتنبي في حضرة سيف الدولة.
هذا مجيد، عبد المجيد سويلم شريك الصف في الدراسة وجلسات المرح والتهمكم بعبارات "اتركوا... شي اي كلام". لم يدفع مجيدا ثمن بطاقة الباص عندما كان يستقله، واضعا ليفتين (مثنى ليفا، وحدة النقد البلغارية) يقدمها حبا وطواعية للمفتش ان باغته. كان مجيد زمبرك ساعتنا ووقود محركنا في الصف او المطعم، ومشعل نار حروب وطوشات لعب الورق مع ابو اليسار وملاح. دق الماء تبقى ماء "دقاق المجوز يموت واصبعه يرف" أي لا يتوقف عن الحركة كما يقول اهل بلادي، ومجيد لم يزده الجاه والمناصب الا مرحا واتقادًا. (يتبع)
(باحث، كوفنتري، المملكة المتحدة)
