اعتمادا على تاريخ الثورات ، ابتداء من ثورة سبارتاكوس في روما مرورا بالثورة الفرنسية وثورات أمريكا اللاتينية ضد الاستعمار الاسباني بقيادة سيمون بوليفار والثورة الاشتراكية الروسية وانتهاء بثورة 23 يوليو ترسخ في ذهن المؤرخين والمفكرين أن الثورة لا يمكن أن تنفجر الا اذا قادها حزب أو تنظيم في طليعته قادة تدربوا على القيادة فترة طويلة ويملكون من الكاريزما ما يؤهلهم لتحريك الجماهير والعبور بالناس الى آفاق أخرى.
لكن شباب الثورة المصرية، مع اختلاف رؤياهم وانتماءاتهم وقناعاتهم السياسية والاجتماعية ، ومن حولهم الشعب المصري بكل أطيافه ، من عمال وفلاحين وطلاب ومثقفين ومسلمين ومسيحيين ورجال ونساء وفتيات وفتيان، شاءوا وأثبتوا، من دون العالم أجمع أنه يمكن فعل ذلك... ويمكن أن تنتصر الثورة بدون زعيم مفدى .. أو قائد عسكري.
لم تعد الشعوب العربية بحاحة الى عبد الناصر جديد أو الى عمر مختار حديث ،مع إجلالنا واحترامنا لكل منهما،فلدينا من الشابات والشبان المئات من وائل غنيم وزملائه. الذين لكل منهم فلسفته ورؤيته الخاصة للعالم. ولكن جمعهم هدف واحد ، هو اسقاط النظام. ووحدهم ولاؤهم للجماهير الشعبية ، التي بدورها لبت النداء واحتضنت هؤلاء الشبان لتحوّل حركتهم الى ثورة بكل المقاييس.
لقد تسلح هؤلاء الشبان ليس بمجرد التفكير فحسب، بل بالوعي النقدي لما يدور حولهم. وأدركوا حقيقتهم وعرفوا أنفسهم وآمنوا بها. وصاغوا رؤيتهم الخاصة بهم ، صياغة واعية نقدية. وكانوا لأنفسهم المرشدين والموجهين. ولم يرضوا أن تفرض البيئة الخارجية عليهم أجندة معينة ، بل انطلقوا من واقعهم لتغييره. ولم يخضعوا للضغوطات التي طالبتهم بتخفيض سقف مطالبهم لأنهم اكتشفوا كلمة السر الثورية ...إرادة الشعب ...التي تحولت من اليوم الأول للثورة الشرعية الوحيدة لمصر .
لقد تخلصت الشعوب العربية من ضعفها ووهنها وانتصرت على نفسها وعلى الرعب في داخلها. ولفظت الثقافة الأبوية التي تضع الحاكم في مرتبة الأب وتضفي عليه كرامة وجلالا هو للوطن وحده.
لقد كان الشعب المصري هو فارس الثورة وهوحارسها اليوم. وأية قفزة الى الأمام تهدف الى الابتعاد عن الجماهير المسحوقة ستكون " بوميرانغ " يرتد الى نحر من تسول له نفسه في طعن الطبقات المسحوقة. لأن الشعوب الثائرة كالمياه الهادرة، تدوس وتطحن كل من يقف في طريقها.
