الناصرة، الجمعة - رايات حمراء وأمواج من البشر...
لم تعد المشاوير إلى بئر السبع تقتصر على زيارة الأبناء والاطمئنان عليهم ورعاية أطفالهم، المضطرين إلى البقاء في البيت أيام عطلة الأعياد اليهودية. صارت مصدرًا لا ينضب لكتابة المقالات.
شددنا الرحال إلى هناك عشية عيد الأسابيع، الذي أصبح عيد العنصرة لدى المسيحيين، بواسطة القطار السريع والمباشر. وكنت أظن أن وصفه بالمباشر (يشير) يعني أنه يبدأ من حيث أركبه في عكا، وينتهي حيث أهبط منه في فيافي النقب، دون أن يلوي على شيء. وإذا به يتوقف عند خمس عشرة محطة. السيد نتنياهو حل هذه المشكلة. وطلب من شركة "ال عال"، ألا تتوقف طائرته إلى كندا في محطات بينية، فكان له ذلك مقابل مليون ومئة ألف شاقل، زيادة على المليون دولار، ثمن التذكرة الأصلية ذات المحطات. عددت ما معي من نقود. لم أجد المبلغ المطلوب، أدفعه للقطار فيكون مباشرًا بحق وحقيق. مباشرته تعني فقط أنك لا تستبدله في تل أبيب بقطار آخر. وفي القطار غالبًا لا تختار مقعدك، بل تتهاوى على أول مقعد زوجي، لئلا تكون "كمصيّف الغور". وبالتالي فأنت لا تختار من يجاورك أيضًا.
وكالعادة، وما دام لا يغمض لك جفن، خلال السفر، فقد اصطحبت ثلاثة كتب، تكفيك مؤونة لساعات السفر الست ولفترة الإقامة هناك. فأنت، تحولت المطالعة إلى جزء من حياتك اليومية من ناحية، ومن ناحية أخرى تأنف أن ترسّخ لدى "الأغيار" فكرة أن العرب لا يقرأون. عز عليك أن تخدش الكرامة العربية.
خلال رحلة الذهاب فرغت من رواية "ويطول اليوم اكثر من قرن"، للكاتب القرغيزي، جنكيز ايتماتوف، الرائعة. أنت مغرم بالروايات الروسية، رغم أسماء أبطالها العصيّة على الحفظ. لكنك ابتكرت طريقة لحل الإشكال. فتحول اسم "يديغي" إلى جواد، واسم "داول" إلى داود، واسم "ايرميك" إلى رامي... وهكذا. وخلال فراغات الأيام، انتهيت من قراءة كتاب "قلوبهم معنا وقنابلهم علينا"، للكاتبة الجزائرية، أحلام مستغانمي، فتمنّيت لو أنها لم تغادر "ذاكرة جسدها" ولا "فوضى حواسها" ولا "سريرها العابر". فهذا الكتاب لا يرقى إلى مستوى تلك الثلاثية. فهل ثمة أساس لما أشيع من أن سعدي يوسف، هو الذي كتب تلك الروايات؟! في رحلة العودة، عرفت معنى أن يطول الزمن. ففي إحدى محطات تل ابيب صعد إلى القطار شاب وصبية. جاورانا في المقاعد، جلسا متقابلين، ثم استأنفا رحلة تفاهة لا تنتهي. تضغط على دماغك كي يتركز في سيرة جبرا إبراهيم جبرا "شارع الأميرات"، فتبوء بالفشل. وتخشى إن تخليت عن مقعدك، ألا تجد له بديلاً. تلوم نفسك على أنك لم تملأ جيبك ببعض القطن، تسد به أذنيك، كما تفعل في قاعات الأعراس.
من كلامهما تعرف كل شيء عنهما. فهو من قرية، وهي من مدينة يعملان في تل ابيب، وربما يدرس الشاب في جامعتها. لكن، ولا كلمة واحدة تمتّ إلى العلم بصلة. بل كلام فارغ متواصل على طريقة يونس شلبي "بيجمّعش"! ثرثرة لأجل الثرثرة: قَلّي "المعلم"، قلت "للمعلم". قال الزبون، قلت للزبون.. بصوت عالٍ جعل جميع ركاب القاطرة يسلطون عليهما نظرات الاحتقار. أحسست أن قوميتنا بأسرها تعرضت للاحتقار. فهل نحن فعلاً ظاهرة صوتية؟
لاحظوا أبناءنا (وبناتنا) وهم عائدون من مدارسهم، كيف يزعجون بضجيجهم، حتى أولئك المنزوين في مخادع مرضهم. لاحظوا الكشافة وهم ذاهبون إلى التمرين الكشفي أو عائدون منه، كيف تعلو ضوضاؤهم على أصوات طبولهم التي يتدربون على قرعها! أليس الصوت العالي المزعج، نوعًا من العنف؟ أليس هو عدوانًا على الذوق العام وعلى حقوق الآخر؟!
تتذكر أيام براغ.
في العاصمة التشيكية كنا، الصديق أمين أبو يونس وأنا، نقصد بعض المقاهي لتناول بعض المرطبات والاستمتاع بالجمالين المادي والبشري، اللذين تمتاز بهما هذه المدينة الرائعة. نقف على باب المقهى مترددين. يبدو أنه مقفل. فنفاجأ بأن لا مكان لنا. فالمقهى غص عن بكرة أبيه وأمه وخالاته، بالعشاق والأزواج والأصدقاء. لكن الكلام هنا همس. حديث الشاب والصبية لا ينقطع، وبطريقة تذكرك بأحد مذيعي "صوت إسرائيل من أورشليم القدس". يقرأ عناوين صحف الصباح قراءة تقطيعية! بحيث لا تبقى للجمل معانٍ. فالرئيس الأمريكي مثلاً، طرح "الاست... (إيـ).. ترا... (إيـ).. تي... جية على.. (إيـ)... الشعب..(ايـ) الأمريكي!!! ويبدو كأنه ينتقي العناوين، والمسكين ربما لا يعرف أننا نعرف أنه لا يملك سوى قراءة ما أمره بقراءته "المعلم". وهنا في القطار مقاطع من الكلام، وبين المقطع والمقطع قهقهة منفرة. "امي.. هاها... قالت... هاها... لأبوي... هاها...". "لامتني هاها" أمي هاها... لما رجعت هاها... عالبيت هاها... ومعي هاها... صبايا هاها...".
(الصبية): قلّها ركبت معهن ترمب.. هاهاها". يرن نقال الشاب. ألو... ها يمّه...
... (الأم)....
(الشاب): وحده؟ معي وحدات ... هاها. الليلة بيجوا لعنا شباب الحارة... هاها...
خطر ببالي أن أسأله أين ستكون أخته أو أخواته هذه الليلة!! طال الوقت كثيرًا. متى تصل يا قطار النحس!! وهل ثمة تفاهة وتافهون بهذا القدر؟ ولماذا لا يخصصون للتفاهة عيدًا وجوائز. وهل هذه هي اهتمامات الأجيال الناشئة: الثرثرة في القطارات، والمشاركة في "طلعة العذرا"، "ومسيرة الصليب" ومخيمات الكشاف الليلية!!!
كاد الاحباط يملأني،
فجاء افتتاح مؤتمر الجبهة الثامن يوم الجمعة الماضي، ليعيد اليّ توازني وثقتي بشبابنا. هنا لهم اهتمامات أخرى. هنا تتجلى الوطنية والأممية والعزم وفرقة العاشقين بأبهى صورها، تحت قبة السماء. صاح أحدهم "كزّينا" من البرد. ترى من أين جاء هذا النسيم الناصري بكل هذه البرودة. قلت بصوت مسموع: "لزّوا" على بعض "فاللز" يولد الدفء وقد يولد الحب أيضًا...
لززنا فدفئنا. لكن ذلك لم يمنعنا من المداعبات. نقول لمن يقوم من مقعده: مروّح؟ أعطني معطفك! فيجيب: لا. راجع.
وعندما غادرنا عاصمة الجماهير العربية، كانت صورة الشاب القروي والصبية "المدينية" في القطار المباشر السريع من بئر السبع إلى عكا، كانت تلك الصورة تتوارى، مفسحة المجال لرايات حمراء وأمواج من البشر... وأمل لا تأثير للتفاهة عليه...
