رائحة البذاءة تفوح من "لول"

single

إبتدع الوسط الفني في العالم العربي، مصطلحا جديدا، مصطلح "السينما النّظيفة" بمعنى الخالية تماما من القبلات والإغراء، فبات مصدر حديث المهتمّين بشؤون السينما العربية، فلمعت بذهني فكرة جديدة "الفضائيّة العربيّة النّظيفة"،  التي لا تشغل بال المهتمّين بها كثيرا، ولكن لا بُدّ من ابتداع مصطلحٍ كهذا، لأن برنامج الفكاهة الشّهير اللبناني "لول" المبتكر وغير المقتبس عن أي برنامج غربي، كَسَر جميع القيَم الاجتماعية، تحت رعاية دولة الجُّرأة والاستغلال!! وليس الاستقلال، لبنان، لأنّ قنواته الفضائيّة تستغل حريّة الإعلام المرئي إلى ما بعد ما بعد الخط الأحمر، وليس إلى ما بعد ما بعد حيفا!!.

     جاءنا صاحب قناة البرتقالة، المعروفة بقناة الـ otv، العماد ميشيل عون، زعيم حركة تيّار الإصلاح والتغيير السّياسية، ببرنامج "لول" الذي يُقدّمه هشام حدّاد وأرزة شدياق، وكلاهُما من عامة الشعب!!، فيستضيفان مجموعة من الضيوف "النكتجيّة" بامتياز!! مُثقلين بالنكات، وخاصّةً الإباحية، التي باتت المحور الأساسي للبرنامج لإنجاحه جماهيريا، فمع كل نكتة، يسمع العالم العربي قهقهات مقدّمة البرنامج تملأ أرجاء الكباريه عفوا... الأستوديو.

 هذه إذًا الثقافة الجنسية الحديثة على الطريقة اللبنانية، ولكنّ لا يتم مناقشتها، إنّما يناقشون كيفيّة معالجة نفسيّة المواطن العربي المقهورة، بفيتامينات النّكات المُقوّية!!، لأن الفضاء العربي المفتوح والمُطَوَّر!!، أصبح يُرحّب بكل شيءٍ إباحي عربي، أمّا إذا كان فيلما أو مسلسلاً غربيا فهو مرفوض تماما، لأنّه "يخدش الحياء"، على أساس أن المشاهد الجنسية فاضحة جدا!! وداعرة، على فكرة البرامج الترفيهيّة الإسرائيلية لا تعرض برامج كهذه، رغم انفلاته الأخلاقي.

     ألمفردة "المسكينة" "لول"، كلمة "لطيفة" يستطيع أن يلفظها الكبير والصغير بسهولة، وبإمكان الجميع مشاهدة البرنامج بسهولة أيضا، دون ضوابط، وفي ساعة الذّروة، دون أن تضع القناة شارة "للكبار فقط" أو "ممنوع مشاهدة البرنامج لمن هُم دون الثامنة عشرة" وما شابه، لذلك كلمة "لول" بدّلت مفهوم الإصلاح "بالإتلاف" والتغيير "بالابتذال"، و"أوصي"!! بأن تصبح جزءًا من المشاريع السّياحيّة التي تشجعها وزارة السياحة اللبنانية، ليستمتع السّائح العربي بحيوية هذا الشّعب!!، وقدرته العجيبة على نسيان مآسي الحرب!! فينضم "لول" لشعار الوزارة الذي يقول "هَيدا لبنان"!!!

 في الغرب تخضع البرامج العائليّة للمراقبة، ولضمير القائمين عليها، فالقبلة لها أوقاتها والتعرّي له أوقاته، باختصار يحترمون الأطفال ويراعون مشاعرهم، ولا تُلطِّخ مشاعرهم البريئة والنظيفة ببرنامج كهذا. مقدّما برنامج "لول" يدعيان  أنّهما "يراعيان" مشاعر الأطفال، بأنّهما يفتتحان فقرة النكات الإباحية الساعة العاشرة، فكلامهما باطل وكذب وافتراء، لأن "لول" "من ساسو لراسو" مليء برموز إباحية خفيّة وعلنيّة حتّى، والذين ما زالوا يتحدّثون اليوم في العالم العربي عن الأخلاقيّات، فإنّهُم للأسف، خارج التغطية الترفيهية الحديثة، رغم أن البعض حاول إيقاف البرنامج، لكن دون جدوى...

     ...فكانت "التوصيات الرّشيدة!!"، بعدم التعرّض لرجال الدّين، وعدم تمثيل النّكات، بحركات "إيحائيّة"!!، وعلى القيّمين على البرنامج أن يستخدموا أسماء "أبو العبد" و"أم العبد"، كخروج من المأزق الذي تعرّض المجلس الوطني للإعلام في لبنان، رغم أن البعض يقول بأنّ البرامج الترفيهية اللبنانيّة، أتت لتواجه مظاهر الإحباط والشؤم النّاجم عن الانقسام السياسي الحاد، وسؤالي: هل من خلال الفكاهة الجنسية يتم توحيد جميع الفئات السياسية اللبنانية المتناحرة؟!.

 إذا عدنا إلى أكثر من 20 سنة،  ورأينا ماذا كان يُقدِّم التلفزيون اللبناني وخصوصا قناة "إل بي سي" الأرضيّة آنذاك، وشاهدنا برامجها الترفيهيّة، لوجدنا أنها كانت تتخلّل فقرة نكات قصيرة جدا، لا تتعدّى مدّتها العشر دقائق، وكان يقدّمها الفنّان المعروف "إيلي أيّوب" الملقّب بـ"ضاحك الليل"، فكانت حينها جميلة خفيفة الظّل، رغم أنه كان يغلب عليها الملامح الجنسيّة، ولكنها كانت محبّبة على الجميع، ليس مثل برنامج ذُل عفوا... "لول" الذي لمدّة ساعتين يتمحور حول تبادل النّكات، من قِبَل جميع الضّيوف، وحتّى السَّيدات المتأنّقات وبدون حياء!!! يُطلِقنَ من شفاههن المطلية بطلاء أحمر الشّفاه، نكات ساخنة، "من الزّنّار ونازل"، دون ضوابط كلاميّة أو رادع فكري أو حتّى دافع حسّي، فبذلك يفقدن حيائهنّ وأنوثتهنّ.

 هنا يظهر عجز الدّولة اللبنانية أمام أصحاب النّفوذ السياسي، التي لا تجرؤ على معاقبتهم بغرامة مالية كبيرة، كما تفعل وزارة الاتصالات الإسرائيليّة، أو تخشى أن تفرض أبسط سلطاتها، وهي الرّقابة التلفزيونيّة، والذين كانوا يتخوّفون من الغزو الغربي للشّاشات العربية، عن طريق عولمة الترفيه العربي، باتوا اليوم يتخوّفون من الغزو العربي (والفرق نقطة، فقط حذفنا النقطة عن حرف الـ"غ")، عن طريق انتقال فيروس "اللبنَنَة" إلى لب الترفيه العربي...

     باختصار هذا هو التحرّر العربي الذي أطلقته الأقمار العربية الصّناعيّة، وفي لبنان هناك من ينادي بإطلاق قمر صناعي خاص بلبنان!!، لأنّ فرَس الدمقراطية العربية الأصيلة، فَقَدَت رسنها، لا يوجد من يلجمها أدبيا أو حتّى عربيا، فداس احترام الأسرة العربية... دنّس طهارة الطفل العربي... قفز عن حواجز الدّمقراطيّة النّزيهة واللاذعة، برشاقة، وصفّقنا له، ولكن أرجو أن تنتبهوا جيّداً، فالجنس تحديدا لدى الفضائيّات العربية، بات مثل الباذنجان، يطبخونه بمقادير ترفيهيّة ذليلة ورخيصة، له عدّة نكهات وأشكال بذيئة، كي تبقى الثّقافة الجنسية المدروسة حبيسة الفكاهة والمسخرة.

 


(شفاعمرو) 

قد يهمّكم أيضا..
featured

نحو مواصلة دحر داعش ورُعاته!

featured

ستبقى المقاطعة ما بقي الاحتلال

featured

ميثاق النوع الاجتماعي بين التوقيع والالتزام

featured

أسرار إسرائيل القذرة في غزة

featured

دفاعًا عن الأرض والانتماء

featured

"أيا وطني إن خان عهدك خائن فأنا على عهدي القديم أمين"

featured

حقوق المعتقلين، حقوق إنسان

featured

وجوب تفكيك النص المشفّر لخطاب اوباما في القاهرة