*الميثاق عبارة عن التزام مبدئي وأخلاقي طوعي يعبر عن ارادة التوجه الى تحقيق مبدأ العدالة والمساواة في توزيع الأدوار، وعن الارادة الحرة في التعامل مع العضوات كجزء أصيل من الهيئة المحلية، ليس طارئا أو مؤقتا أو ديكورا تجميليا*
//
التوقيع الاحتفالي من قبل أكثر من خمسين مجلسا بلديا وقرويا في الضفة الغربية على ميثاق النوع الاجتماعي، عبّر عن التزام رؤساء وأعضاء المجالس البلدية والمحلية وتعهدهم على الالتزام بالمبادئ الرئيسية لضمان مساواة المرأة في عمل المجالس المحلية، لأن من لم يتواجد عبّر عن وجهة نظره برفض التوقيع لحين توفر القناعة ببنود الميثاق الذي أعدّه "ملتقى النوع الاجتماعي".
توقيع الميثاق جاء ثمرة الجهد الدؤوب والتراكمي الذي بذلته وزارة الحكم المحلي ممثلة بوحدة النوع الاجتماعي بالشراكة مع المؤسسات النسوية منذ عام 2009،باتجاه تعزيز دور المرأة في المجالس المحلية والبلدية. وهي جهود واعية ومخططة ومنظمة بدأت بالتواصل مع المجالس بشكل عام والعضوات على وجه الخصوص، وذلك للوقوف على مجريات التجربة الأولى التي تأتي من خارج نطاق التعيين.
لقد ارتأى "الملتقى" حصر اهتمامه بتجربة النساء لجهة تقويتها وتطويرها، ومجابهة المصاعب بمختلف مصادرها لمواجهتها والعمل على تذليلها بالتدريب والتمكين المتخصص الشامل لطبيعة وظائف ومهام المجالس المحلية، وكذلك للتصدي للمعيقات ذات السمات الثقافية المرتبطة بالتمييز. الا انه لم يتم اهمال السياق العام لتجربة الأعضاء لكونها أيضا تجربتهم الانتخابية الاولى التي رافقها مشكلة دقة الاختيار كما وقع مع العضوات، ولأنها جزء من نجاح او إخفاق المرأة في عملها لكون المشاكل ذات الطابع العام تعيق عمل المجلس المحلي برمته، مضافا اليها بالنسبة للعضوات تلك المصاعب التي تواجههن حصرا على اساس التمييز على الأقل، وتتوسع لتستوعب محاولات اقصاء العضوات وعزلهن أو حشرهن بمهمات نمطية، ارتأى "الملتقى" أن يصب اهتمامه عليها.. دون تجاهل سوابق مشهود لها وهي الحالات التي تولت المرأة فيها منصب الرئيس او أسند لها مهمات نوعية كالمالية والتخطيط والمشاريع.
على أهميته، فان توقيع ميثاق النوع الاجتماعي لا يشيل "الزير من البير" رغم تقديره وتقدمه في ظل استنكاف البعض عن التوقيع، الأمر الذي لا يساعدهم لأنه ينم عن تجاهل الواقع المعاش الذي تغيرت به الادوار التي تقوم بها النساء مع تطور تعليمهن، ولأنه يثبت تأخر التعاطي مع الواقع ولو بعجلة التطور وعجز عن تلبية احتياجات التنمية المستدامة. كما لن يساعد التوقيع أصحابه، إن كان شكليا وبروتوكوليا، على تغيير انفسهم والانحياز الى المنظومة الحقوقية التي لا يمكن تجزئتها. ولا يزيل أو يعزل الثقافة الذكورية عن بنية المجالس التي تعيق التطور الحضاري والبنائي.
فالميثاق عبارة عن التزام مبدئي وأخلاقي طوعي يعبر عن ارادة التوجه الى تحقيق مبدأ العدالة والمساواة في توزيع الأدوار، وعن الارادة الحرة في التعامل مع العضوات كجزء أصيل من الهيئة المحلية، ليس طارئا أو مؤقتا أو ديكورا تجميليا. فالتوقيع سيبقى توقيعا ان لم يُدرس من قبل المجلس ليصار الى تبنِّيه بقناعة تامة والإلتزام بمترتباته، وسيبقى توقيعا فحسب،إن لم يترافق بإدماج قضايا المرأة في الخطط وتفهم احتياجات العضوات والنساء في العمل والمشاريع، وسيبقى التوقيع حبرا على ورق ان لم يُستتبع بالعمل الجاد لتلمس العضوات لنتائجه الواقعية في التطبيق والممارسة والتعامل، وهذا يستلزم متابعة ومراقبة ومكاشفة مستمرة.
تاريخ إدخال "ملف" المرأة في الوزارات يعود الى نهاية عام 1996، لدى فرز موظفة لمتابعة الملف في القطاع الحكومي. وتطور المفهوم والمسمى الوظيفي ليصبح وحدة شؤون المرأة ومن ثم الى وحدات النوع الاجتماعي التي تم تثبيتها على الهيكلية في عام 2008. المسمى الجديد يؤكد ثَبات الحكومة على التزامها بتعزيز المساواة في الوزارات بما فيه إبعاد التشكيل عن الوقوع في الشكلية أو المؤقتة.
بالتأكيد ان السياسات والنوايا تختلف جذريا مع التطبيق، فلم تتساو وحدات النوع الاجتماعي في اخلاصها لمهمتها. ويمكن لأي مهتم أن يلحظ التفاوت في التجربة ما بين الوزارات. فالبعض نظر إلى وحدة النوع الاجتماعي كمن يوقع عقوبة بحاملة المسمى الوظيفي، او البعض أدرجها ضمن قائمة البطالة المقنعة في الوزارات الى غير ذلك من الاحكام..
ما تميزت به وزارة الحكم المحلي، امتلاكها الرؤية التنموية الواضحة وامتلاك الإرادة لتطبيق الرؤية وايصال رسالة إدماج المرأة في الحكم المحلي، وهو الأمر الناقص في باقي الوزارات التي ربما نستثني بعضها من الحكم: كوزارة العمل والثقافة.
لقد فتحت بعض الوزارت أبوابها أمام التدقيق الداخلي من منظور النوع الاجتماعي، وحصلت وزارة الحكم المحلي على نتائج جادة تؤكد الحاجة الماسة للاصلاح وتحقيق المساواة بما يؤدي الى تجذير المفهوم والاستفادة القصوى من الطاقة التشغيلية لجميع الموظفين، الذي سيصب حتما في خدمة القطاع الواسع المسند للوزارة الاشراف عليه الممثل بهيئات الحكم المحلي ذات العلاقة المباشرة بالمجتمع الاوسع، الذي ترتهن تنميته بالسير نحو الاستفادة القصوى من موارده البشرية لتحقيق التنمية المستدامة.
في ظل التفاوت الملحوظ بين الوزارات في فهم فلسفة تشكيل وحدات النوع الاجتماعي، يصبح انقاذ شعار اعتماد تلك الوحدات ووضعها على الهيكلية مطلوبا بشكل فوري، للحيلولة دون الوقوع في الشكلانية وحمايته من جعل "الوحدات" قضية للتندر والتمازح.
