غريبة ولطيفة هي علاقتنا بالخيام: إن اشتدت علينا الحال وقست الأيام لا نجد غيرها عنوانا لاعتصاماتنا الغاضبة، وإن فُرجت الأحوال وطابت الليالي الملاح لا نرى رفيقا نديما سواها في الأحراش وعلى الشواطئ.
ولعل أجمل ما فيها أنها - بعكس الجدران - ليس لها آذان أو لسان، وبوسعي الرهان انها، لو أتيح لها النطق، ما فضحت شيئا مما شهدت من خطايا وأسرار، إنما شكرتنا، شَكَرت الفلسطيني، ليل نهار.. كيف لا، وقد أجمع ذوو الشأن أننا نحن، لا أحد سوانا، أصحاب الفضل بتحويلها من بوم ونذير بالترحال إلى رمز من رموز التحدي والصمود؟!
لكن ما العمل أمام إصرار أبناء عمومتنا على نهب كل ما كان لنا: نهبوا الأرض، ومن ثم الحمص والفلافل وها هم يدخلون علينا "ضُرّة" بعلاقتنا مع الخيام، إذ باتوا ينصبونها احتجاجا على ارتفاع أسعار الشقق حتى باتت خيامهم تنبت كالفطر في كل واحدة من مدنهم؟
قد ينظر بعضنا إلى هذه الخيام المنصوبة في جادة روتشيلد في تل أبيب، وفي القدس الغربية وكريات شمونة وغيرها باستهتار واستخفاف قائلا: إنهم ليسوا مثلنا، إن أحدا لم يطردهم من منازلهم، ثم اننا نحن ننام في الخيام تأهبًا لقدوم البلدوزرات لهدم منزل أو أكثر من منازل بلدتنا، فماذا يحمون هم؟
هم بالطبع لا يواجهون ما نواجه نحن جراء سياسة التمييز العنصري، لكنهم بالضرورة يدفعون ثمنها وثمن الاحتلال وهذا ما قلناه دوما.. كما ان هذه الخيام نبتت على أرضية الضائقة وحملها أصحاب قضية حقيقية ولم يتم اخراجها في "استوديوهات" وزارة الخارجية العاملة على ترويج الحمص والفلافل كفخر للمطبخ الإسرائيلي..
- معك حق، ولكن لحظة، لم الانشغال بهذه القضية عن قانون منع مقاطعة المستوطنات، مثلا؟!
- لا يا صاحبي، ليست الأمور بهذه البساطة فليس لنا من أسهم أكثر حدة ضد حكومة اليمين الفاشي وقوانينها ومشرّعيها من الكشف عن بشاعة وجهها الرأسمالي الحقيقي.. وقتها سيدرك كل طفل أن "وطنية" هذه الحكومة وصهيونتها التي لا تضمن لقمة العيش ومكان العمل والمأوى لا تسوى بصقة.. إذن، فالخيمة في تل أبيب هي خيمتي!
