من المفترض ان يأخذ أي بلد دمقراطي قوّته بل قامته وسمعته الحسنة من تعددية الاصوات في ارجائه.. هذا المفترض يتطاير هباء عندما يجهز عليه الواقع فنسمع مَن في سدة الحكم من ساستنا يتحدثون فقط بصوت واحد – صوت الاقلية التي يحتكرها اولئك الذين يتكرر وجودهم على متون الطائرات وعلى شاشات الفضائيات..
الواحد منا، وليكن هذا الواحد (انا) يبحث عبثا عن تمثيل لاهتماماته وآرائه فيتعذر عليه سماع اصوات يريد سماعها كصوت العالِم او المعلم او ضابط الشرطة او المزارع او التاجر. ان الاصوات التي يتردد ذكرها في الحملات الدعائية تغيب في بطون سلال المهملات بعد سماع اجراس الفوز ومعاينة رقصات النصر بدلا من هذا كله اسمع فقط صوتا واحدا لنوع واحد من الموظفين: صوت السياسي المتفرغ وغالبا ما يكون محاميا (كما هو الحال في كثير من الاقطار الكبرى وحتى الصغرى في عالمنا هذا) يقضي جل وقته في جمع الاموال واعادة توزيع الدخل القومي في مواقع ومناسبات تتلاءم مع اهواء ومصالح اصدقائه وليس سواهم. من عادة هذا السياسي ان يسوق نفسه ليبقى قائدا متزعما من خلال ارضاء دائرة الاصدقاء المتنفذين، شاهرا سيفه وملوّحا بسوط (الاقلية) ليطعن ويجلد (الاغلبية الصامتة)..
امر هؤلاء الساسة ومعهم كتاب سياستهم امر عجيب.. وفي الحديث عنهم تسعفني الذاكرة لاتذكر وصفا سمعته من الرئيس (جيمي كارتر) في احدى مداخلاته وفي ندوة على شاشة احدى الفضائيات الامريكية يعرّف كارتر السياسة بأنها ثاني اقدم مهنة في التاريخ (أي بعد الزنا). وفي المداخلة يساوي كارتر بين السياسي الانتهازي (واحيانا مناوبة مع الكاتب السياسي) وبائعة الهوى.. فكل منهما يستغل الوعود والمظاهر البراقة من اجل تسويق الذات.. سماع الصوت الواحد يتكرر ايضا على نطاق اضيق وذلك في قرانا ومدننا حيث يجسد رئيس البلد صوت الاقلية.. يتكرر رتيبا مملا سماع هذا الصوت، لأن المتنفذين حوله (أي حول الرئيس) سرعان ما يتحولون الى كتاب سياسيين يدبجون مقالات الغزل والاطراء وينثرون المناشير الزاخرة بمعسول الكلام كي يبقى مرشحهم بل معبودهم مستأثرا بمنصبه عاما تلو عام.
صباح الخير لكل قائد يتناغم مع صوته كل الاصوات
