روسيا السوفياتية كانت تبيع أسلحة دفاعية بينما تبيع أميركا أسلحة هجومية لأصدقائها وبخاصة إسرائيل
لإسرائيل بطولة مطلقة في ميدان "الزعبرة" بشقيها الـمترادفين: السياسي والأمني. هاكم مثالاً بسيطًا: تولول إسرائيل لأن بعض صواريخ حزب الله (وحركة حماس أيضًا) لا تتوفر في أوروبا. . . لكن، من يقول "للتساهل" العرمرمي هذا إنه يفوق قوة وعتادًا جيوش دول عظمى في أوروبا؟.
للزعبرة الأمنية جانبها التكنولوجي، منذ انتقلت الصناعات التكنولوجية العسكرية الإسرائيلية من "نقل" و"بيع" تكنولوجيا السلاح الأميركي إلى الصين مثلاً، فإلى تصنيع تكنولوجيا خاصة بها، وفي ميدان الطائرات بلا طيار، بحيث صارت جيوش دول عظمى (روسيا مثلاً. . وحتى الولايات الـمتحدة) تشتري مثل هذه البضاعة، وبحيث قال وزير الحربية الروسي أناتولي سيرديوكوف إن للجيش الإسرائيلي "خبرات" تلزم بلاده.
. . . وبحيث، ثالثًا، هددت إسرائيل هذه الروسيا بالـمعاملة بالـمثل، والرد على بيع صواريخ بحرية روسية لسورية، بالعودة إلى تسليح جورجيا. هذا تهديد ورد على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه، تأكيدًا لتصريحات على غير مستوى سياسي.
من قصد السوق باع واشترى، كما يقول الـمثل، وروسيا دخلت سوق "تسليع" تجاري لبيع السلاح بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي كان يخلط بيع السلاح بالسياسة والأيديولوجيا، وإسرائيل نفسها دخلت سوق التسليع التجاري، بحيث صارت، على صغرها وعظم صناعاتها الحربية، بائعة سلاح وتكنولوجيا سلاح للهند والصين. . ودول أميركا الجنوبية والوسطى، وتركيا وروسيا. . . إلخ!
روسيا السوفياتية كانت تبيع، أساسًا، أسلحة "دفاعية" ما أثار تذمّر مصر الناصرية مثلاً، بينما تبيع أميركا أسلحة "هجومية" لأصدقائها وبخاصة إسرائيل. . . لكن، ما هو "دفاعي" يصير "هجوميًا" في الـميدان الإستراتيجي، مثل "سام 5" وصواريخ مضادة للدبابات مثل "ساغر"، لأنهما لعبا دورًا في تعطيل أسلحة "هجومية" إسرائيلية في الطيران والـمدرّعات.
أقرب الأمثلة على هذا التداخل، سعي إسرائيل الدؤوب لشلّ وتعطيل صفقة سلاح صاروخية من نوع س300 لإيران، مع أنها سلاح "دفاعي"، لكن قد يشلّ فعالية سلاح الجو الإسرائيلي، إذا نفذت إسرائيل ضربة إجهاض للـمشروع النووي الإيراني.
"الشر يأتي من الشمال" كما تقول التوراة وجنرالات إسرائيل. . وربما القرآن الكريم أيضًا (ريح صرصر) الباردة، والجبهة الشرقية صارت في خبر كان، بخاصة مع سلام وادي عربة، وتدمير العراق. . . وفي حيز كان، أيضًا، حلـم الأسد الكبير، حافظ، بإدراك "توازن إستراتيجي" مع الجيش الإسرائيلي، واستبدال هذه الإستراتيجية بأخرى، أي "استخدام الأجنحة والـمؤخرات" مثل إيران (خلفية) وحزب الله وحماس كذراع أمامية. ذراع طويلة إيرانية وأذرع قصيرة محلية. . يا سلام! وليأت الجولان إلى طبق سورية. . "على البارد".
هذه المعادلة هي نفسها حجة تهديد إسرائيل لروسيا بتسليح أعدائها إذا نفذت صفقة العام 2007 بتزويد سورية بصواريخ بحرية من طراز "ياخونت" البحري الـمضاد للسفن، وهو الأكثر تقدمًا في التسليح العسكري الدولي.
"أزمة السلاح الثلاثية (إسرائيل، روسيا وسورية) واكبت تجدد جس النبض لتسوية في الجولان، وكذلك لتوقيع اتفاق عسكري روسي - إسرائيلي لتصنيع الطائرات بلا طيار في روسيا.
لا "زعبرة" بل مجرد "همهمة" لأكبر صفقة سلاح أميركية للسعودية، لأن الهدف هو إيران، ولأن أرباح الصفقة ستفيد في تزويد إسرائيل بطائرات (أف 35) الأكثر تقدمًا من (أف 16) للسعودية، وأميركا لا تحيد عن حفظ التفوق النوعي العسكري الإسرائيلي.
لا يوجد هواء في الفضاء الخارجي، ولا توجد مقارنة أمنية بين فلسطين وإسرائيل، ومع ذلك، فلا تزال إسرائيل تعيق تزويد الشرطة الفلسطينية بعشرات من مصفّحات (بي. تي. آر)، وعلى الرغم من أن بيغن قبل في كامب ديفيد مبدأ تشكيل "شرطة فلسطينية قوية".
سأقتبس من مقالة إستراتيجية أميركية عن هوس "التهديد الوجوديّ لإسرائيل" وفي الـمقدمة يجيء: "دخل مصطلح التهديد الوجوديّ إلى الـمعجم السياسي، من باب الكياسة والـمجاملة للخوف الـمرضي وجنون الاضطهاد الإسرائيلي. . . وعندما يكون الطرف الـمهدّد هو إسرائيل بالذات" غير الـمهدّدة في وجودها دولة ولا شعبًا.
هذا الأسبوع مات الجنرال يسرائيل طل (طاليك) مصمّم الدبابة "مركفاه"، وكانت عقيدته الأمنية هجومية وعقيدته السياسية تدعو إلى السلام الـممكن، وضد الاستيطان اليهودي. . أي بلا "زعبرة" تخلط بين الأمن والسياسة. "الذئب" يشكو "الغنم"!
* صحافي فلسطيني ("الأيام")
