كل كلامك على.......

single
عجّ الديوان الفسيح والرحب الذي توافر فيه جو منعش ورطب بالفلاحين الذين أنهوا موسم الحصاد، وراحوا يتسكعون فتضيق بهم الدواوين والمضافات . انتشروا في أطرافه. بسجاياهم المختلفة يفترشون الحُصَر يتجاذبون الحديث ويلعبون في المنقلة يتسامرون ويتمازحون ، يتنابزون ، ويتنكفون، فيعلو صياحهم تارة ويهدأ تارة أخرى. يطرحون علب التبغ العربي أمامهم ويتفاخرون بلونيها الفضّي الجميل والاصفر اللامع، بطعم التبغ ورائحته الجميلة فيها.
يتسلون بلف السجائر واشعالها بلا ريب أو قيود يمجّونها بلهف وينفثون الدخان بتلذّذ ، فيتصاعد الدخان. مكونا سحابة رمادية تتحرك ببطء نحو الفوّهات والمنافذ المتواجدة في أعالي الجدران عند السقف.
جلس المختار بلون بشرته الحنطي، وبجسمه الممتلئ الضخم، وقد خلع كوفيّته عن رأسه وقمبازه الرّوزا الابيض الذي يميل الى الصّفا من جلده ومن بعيد تراءى لهم وقوف سيارة جيب بلونها الاخضر. القريب من لون سيارة شرطة الحدود وكانت الشمس تقترب من الغروب والقت بخيوطها البرتقالية نحو البحر . راعهم هبوط "خواجا" من داخلها بيده حقيبة سوداء وبلباسه الرسمي الانيق شرع يمشي بتؤدّة وكبرياء يختال كالطاووس نافشا ريشه. ساورتهم الهواجس وظنّوا ان "الخواجا" لا بد أن يكون جابي ضريبة الدّخل أو محصّل ضريبة العقارات. سارعوا ولملموا أمتعتهم من كوفيات وعقل وعلب سجائر وقدّاحات وهمّوا بالفرار. فهدّأ المختار من روعهم عندما ابلغهم هوية القادم ومبتغاه. وأوعز لهم أن يظلوا "كل حي بأرضه" فتسمّروا في اماكنهم وعادوا يتمازحون ويتضاحكون غير مكترثين بأحد. دخل "الخواجا" الديوان وتناول كرسيّا صغيرا وجلس وبعد فترة اشرأبّ نظره على جورانيّة علقت مع "جدرانيات" على الحائط. نُقش عليها صورتان بارزتان أحدهما لراقص والاخرى لقبّة الصخرة. فوجد منفذا للخروج عن صمته فمال بجسمه وسأل جاره من الرجال عمّا إذا كانت تلك الجورانيّة منتشرة بكثرة في البيوت. واستمرّا في الحديث والجدل بصوت خفيض عن الاقصى كل حسب وجهة نظره وتطلّعاته. وظلّ المختار منهمكاً غير مكترث غارقا مع ايقاع ضربات المهباش في قعر الجرن وجوانبه، ليصدر عن تلك الضربات موسيقى عذبة تُشنّف الآذان. تتناغم مع كلمات : أهلاً وسهلاً تفضّل فوت .
أبدع المختار وهو يحتضن الجرن أمامه وأخرى مستمعيه من جلسائه، يصنع ذلك الايقاع ، وهو يعود عليه ويكرره ليزداد ذلك النغم عذوبة فيصدح صوتها وينتقل صداها الى أرجاء الحي الى ان انتهى من طحن البن في الجرن .
نضح جبين المختار بالعرق واخضلّ وجهه ما فتئ المختار بين الفينة والاخرى ان يرمق الخواجا بنظرات شزر وهو عبوس الوجه وقاطب الجبين. انتهى المختار من مهمّة طبخ القهوة السّادة التي فاحت رائحتها الأخّاذة تعبق في الديوان وتملأ الحي. رشف المختار الفنجان الاوّل من القهوة السّادة. ووقف حاسر الرأس في يوم قائظ من ايام الصيف وهو يتسربل بقميص ابيض وسروال اسود اللون فضفاضا ، امتدّ حتى كاحليه. في يده اليسرى صينية صفراء اللون اصطفّت عليها فناجين القهوة السّادة وفي يده اليمنى امسك بالمصب بلونه الاصفر الذهبي اللامع. أثار ضحك الجميع في الديوان من الفلاحين عندما استدار المختار وراح يسقي الحضور من اليسار الى اليمين ، وشرع يمرّرها نصاًوليس خصّا حتى اكتملت الدورة في الديوان وكان "الخواجا" آخر من رشف فنجان القهوة . انتهى المختار من واجب التضييف .
وعاد الى مجلسه الوثير واضطجع على جنبه الايسر ، والكانون من أمامه تجثُم عليه اباريق القهوة الدّلة والثُنية والمصب بلونه الاصفر.
استغلّ "الخواجا" الفرصة وراح يعرض افكاره وغايته متوهّما انه قادر بحذاقته وفذلكته ومخاتلته على تطويع المختار واذعان الحضور من روّاد الديوان وجرهم للتصويت لحزب المباي في الانتخابات النقابية للهستدروت ، تحدث بلكنته الاجنبية وبلغته العربية المكسّرة ، اسهب في التهديد وأطنب بالوعيد، وافرط بالكذب والتزوير . وبالغ بالتطاول على الشيوعيين والتمادي على عبد الناصر وانهى حديثه بالتهديد بالويل والثبور لمن يصوت للشيوعيين الذين وصمهم باعداء الدولة والدين. هزّت كلماته مشاعر الرجال ، انتفضت اجسادهم وتململوا في اماكنهم وكثر الهرج والمرج والهمس وهو ينظر اليهم بعين من القلق. تصبب العرق من جبين المختار واهتزت مشاعره كالآخرين ، طال الوقت. فأخذ الظلام يتسلل الى الديوان وقد أحجم المختار من اشعال المصباح عندها كفّ "الخواجا" عن الكلام بعد عناء كبير وجهد عظيم. تنحنح أبو مرعي بصوت قوي ومثير وكان شجاعا خفيف الظلّ والروح ، مرحا، ذلق اللسان وصاحب طرفة مميزة ، فساءله بنفور واضطراب : خلّصّت خواجا حنانيا وكان الخواجا ينتظر جواباًمن المختار: فأدار يده اليمنى الى مؤخرته وهو مضطجع وأبى الا ان يكون المشهد الآخير من مسرحية "الخواجا" كوميديا فكاهيا فاختزل حديثه قائلاً "كل كلامك على طيزي هون" فخير الكلام ما قلّ ودلّ، خيّم الظلام واسدل الستار

قد يهمّكم أيضا..
featured

تعامل مخفف مع جرائم عنصرية

featured

الحياة والمقاومة عنوان المرحلة

featured

الاقتصاد الاسرائيلي وانتفاظة الجياع القادمة

featured

الاستقلال يؤخذ ولا يُعطى

featured

الموتى اللي فوق والموتى اللي تحت

featured

كيف فقدت بصيرتك في زحمة الدم؟

featured

أمراء وفضائيات

featured

إيلي كوهين في سوق البالة في غزة