في المساعي التي يبذلها بنيامين نتنياهو لتأليف حكومة اليمين الكارثية فان احدا من حزب نتنياهو الليكود او من الكتل الاخرى الائتلافية "لا يقاتل" لتسلم حقيبة وزارة المالية، احدى اهم ثلاث حقائب وزارية، وذلك بسبب التحديات والصعوبات الجمة التي يطرحها ويعكسها اقتصاد يخطو بوتائر سريعة في اعماق اوحال مستنقع ازمة ركود اقتصادي خانقة. ولا نستبعد ان يتحمل نتنياهو مسؤولية وزارة المالية وحتى لو تحمل هذه المسؤولية وزير آخر فان اصابع نتنياهو ستكون الدينامو الذي يبلور السياسة الاقتصادية – الاجتماعية لحكومة اليمين.
وما يجب ان يثير القلق ويشحذ الآليات الكفاحية ان ما يرتسم في الافق هو تردي الاوضاع المعيشية الاجتماعية للعاملين وذوي الدخل المحدود من جراء الهرولة الزاحفة للبطالة الواسعة وانتشار الفقر في ظل سياسة اقتصادية لحكومة يمين متطرف معادية لمصالح الطبقة الكادحة ولمختلف الشرائح الاجتماعية المسحوقة من ذوي الدخل المحدود القليل. فطابع الازمة الحالية المشحونة والمرفقة بالديماغوغيا الاجتماعية لقوى اليمين الصهيوني ومنظريه لاخفاء جوهر وعوامل الازمة الاساسية وطمس المدلول الاجتماعي للطرق التي يسلكها لمعالجتها يجعل من الضرورة والاهمية بمكان التشخيص الصحيح "للداء" بهدف اعداد "دواء" المواجهة الكفاحية الناجعة.
* الانياب المفترسة للازمة:
لا يستطيع حتى المتجندين في خدمة السياسة الاقتصادية – الاجتماعية اخفاء حقيقة الطابع المأساوي للركود الاقتصادي في اسرائيل من حيث السرعة الزمنية للتدهور ومن حيث مدلولاته وتأثيراته الاجتماعية الكارثية، فالمعطيات الرسمية تعكس حالة التدهور الاقتصادي السريع، فخلال شهر كانون الثاني من هذه السنة قذف الى سوق البطالة حوالي عشرين الف معطل عن العمل، وفي شهر شباط الماضي قذف الى سوق البطالة حوالي عشرين الف عامل، وخلال الايام الماضية من شهر آذار الحالي زود سوق البطالة، بأكثر من الفي عاطل عن العمل جديد، وهنالك اكثر من الفي مصنع ومصلحة اقتصادية على وشك الافلاس والانهيار وطرد عشرات الوف العاملين الى سوق البطالة، ويقدر ان يزداد عدد العاطلين عن العمل حتى نهاية العام الفين وتسعة الحالي بأكثر من مئة الف معطل عن العمل جديد وترتفع نسبة البطالة من 6,3% اليوم الى اكثر من 9% حتى نهاية العام.
ما يميز الركود الاقتصادي الزاحف اليوم عن فترات سابقة للركود الاقتصادي في سنوات ماضية هو شمولية انيابه المفترسة التي طالت جميع المرافق الاقتصادية والمالية والتجارية، طالت انيابها فروع الصناعات الدقيقة (الهايتك) والصناعات الاستهلاكية التقليدية من مصانع الاغذية وغيرها، والبنوك وشركات التأمين. ومصائب هذا التدهور لا تنحصر في طرد وقذف عاملين الى سوق البطالة فقط، بل استغلال حالة الركود والبطالة الواسعة للهجوم على مستوى اجور وظروف عمل العاملين والموظفين، تجميد وتخفيض اجورهم تقصير ايام اسبوع العمل الى خمسة وحتى الى اربعة ايام مع تخفيض تبعا لذلك الدخل الشهري للعاملين وتخفيض مستوى معيشتهم.
في معالجة سابقة نشرناها في الاتحاد حاولنا تحليل وشرح العوامل الاساسية للتدهور في اعماق ازمة الركود الاقتصادي، وان انياب الازمة المالية العالمية تفترس جسد الاقتصاد الاسرائيلي المندمج في ركاب سوق العولمة الرأسمالية وتبعيته للرأسمال الاجنبي وللاسواق المالية (البورصات) الامبريالية، وخاصة ارتباطه التبعي بالسوق المالية والاقتصادية للولايات المتحدة الامريكية، واكدنا انه رغم التأثير الكبير السلبي لهذا العامل على التدهور الاقتصادي في اسرائيل، الا انه ليس العامل الوحيد للتدهور والركود الاقتصادي، فاضافة الى ذلك لا يمكن تجاهل منهج الرأسمالية النيوليبرالية الخنزيرية للسياسة الاقتصادية – الاجتماعية المنتهجة في اسرائيل، سياسة هيمنة "السوق الحرة" اقتصاد السوق والخصخصة كعامل اساسي ايضا للتدهور، كما لا يمكن تجاهل التكاليف الهائلة لتغطية نفقات سياسة العدوان والحروب والاحتلال الاستيطاني التي تبتلع حصة الاسد من الموازنة العامة وتعتبر عاملا اساسيا ايضا للركود وعجز الموازنة العامة والتراجع في مجال التنمية الاقتصادية.
ما اود تأكيده في سياق معالجة اليوم انه بفعل العوامل الثلاثة المذكورة لازمة الركود الاقتصادي الحالية تتعمق اكثر في اسرائيل حالة الفقر وحتى بروز بعض مظاهر المجاعة وزيادة كبيرة في عدد المحتاجين للاغاثة لرغيف الخبز، تسبب تآكل مدخرات المتقاعدين في صناديق الشيخوخة والتقاعد بحوالي اربعين في المئة، يضطر المتقاعدون الى التفتيش عن أي عمل حتى لا تطالهم انياب المجاعة. في السنة الماضية كان عدد الفقراء في اسرائيل مليونا وستمئة واثنين واربعين فقيرا حسب الاحصائيات الرسمية، وعشية عيد الفصح اليهودي تلقى اكثر من مليون فقير يهودي "سلة اغذية" من جمعيات اغاثة يهودية ومليار دولار من منظمات اغاثة صهيونية ومن متمولين صهيونيين من امريكا لمساعدة عائلات يهودية فقيرة، اما فقراء العرب من جماهيرنا العربية الذين يؤلفون حوالي نصف المواطنين العرب "يبعث الله" من حيث الاغاثة!!
اوضاع الفقر والفقراء هذا العام اشد وطأة ومأساوية، مع اقتراب عيد الفصح العبري تنشر المعطيات الصارخة عن مآسي الفقراء، فعلى سبيل المثال تؤكد الناشطة في "جمعية يد عزرا وشولميت" للاغاثة في مدينة كرميئيل المدعوة ملخي دون في تصريح لصحيفة "يديعوت احرونوت" مطلع الاسبوع الماضي ما يلي "في السنة الماضية قدمنا مساعدة سلة اغذية لحوالي مئة عائلة فقط. اليوم نحن نقدم مساعدة لسبعمئة عائلة، وكل اسبوع يزداد العدد بحوالي عشرين عائلة فقيرة تعاني من الازمة الاقتصادية وتحتاج للمساعدة، ومن جهة ثانية فان المصانع التي كانت تتبرع لشراء الاغذية طلبوا منا ان لا نتوجه اليهم بعد طلبا للتبرع"!! وفي بحث اعده "المركز الاسرائيلي للقطاع الثالث" منظمات الاغاثة التطوعية – بواسطة جامعة بن غوريون جاء "ان اربعة الاف جمعية اغاثة من بين خمس وعشرين جمعية اغاثة مسجلة تواجه خطر الانهيار والاغلاق. واحدة من كل خمس منظمات اغاثة تقدم تقريرا انها تعاني من ضائقة مالية خانقة بسبب الازمة". وحسب هذا التقرير فان 30% من هذه الجمعيات قد قلصت برامجها و13% اوقفت نشاطها و15% قلصت عدد العاملين وحوالي 20% قلصت مجال نشاط العاملين"!! وحسب معطيات جمعية "لاتيت" التي توزع مساعدة لمئة وعشرين جمعية اغاثة منتشرن في مختلف انحاء اسرائيل انها قدمت في السنة الماضية مساعدة اغذية لمئتي الف انسان فقير وعشية عيد الفصح العبري فانه سينخفض عدد من يقدم لهم الاغاثة باكثر من عشرين في المئة. وسيعاني عدد من المحتاجين في عيد الفصح بانه لا يوجد ما يقوم لهم"!! بناء على هذه المعطيات وغيرها من معطيات الركود والبطالة فلا نبالغ اذا قدرنا بان عدد الفقراء في اسرائيل سيتجاوز حتى نهاية العام الفين وتسعة الحالي المليوني فقير!
* نتنياهو نصير الاغنياء وعدو الفقراء:
لا يلوح في الافق ان حكومة الكوارث اليمينية برئاسة بنيامين نتنياهو لديها خطة، سياسة اقتصادية – اجتماعية لمواجهة ومحاربة البطالة والفقر والخروج من دوامة ازمة التدهور الاقتصادي ما يلوح في الافق عكس ذلك تماما، زيادة حدة الفقر واتساع دائرة البطالة الواسعة. وهذا ما يعكسه ويجسده البرنامج الاقتصادي، الخطة الاقتصادية التي يلوح بها بنيامين نتنياهو ويدعي تضليليا انها خطة للتنمية الاقتصادية ومحاربة البطالة! فخطة نتنياهو تتكون من بندين اساسيين، الاول، دعم الاغنياء من ارباب الرأسمال والشركات الاحتكارية واصحاب المداخيل الشهرية الدسمة، فحسب الخطة فانه حتى سنة الفين واثنتي عشرة تنخفض ضريبة الدخل عن ارباب الرأسمال الكبير من 65%) اليوم الى 35% وتخفيض ضريبة الشركات من 26% اليوم الى 18% فقط. ومن دخله الشهري ثمانية الاف شاقل يربح شهريا حسب تخفيض نتنياهو 88 شاقلا من دخله الشهري (12 الف شاقل يربح مئة وعشرين شاقلا ومن دخله عشرون الف شاقل شهريا يربح مئتي شاقل. وهذا يعني ان اكثر من خمسين في المئة من عدد العاملين في اسرائيل خارج الصورة فدخلهم الشهري الضئيل لا يخضع لدفع حتى ما تتطلبه الدرجة الدنيا من سلم ضريبة الدخل، كما ان من دخله الشهري اقل من ثمانية الاف شاقل لا يستفيد من خطة نتنياهو، المستفيد الوحيد من الخطة هم الاغنياء الذين سيربحون سنويا من تخفيض ضريبة الدخل ما مقداره ثلاثة مليارات شاقل.
والبند الثاني في خطة نتنياهو هو تقليص الميزانية العامة السنوية بمقدار سبعة مليارات الى عشرة مليارات شاقل وانياب التقليص ستطال بالاساس ميزانيات الخدمات الشعبية من صحة وتعليم وسلطات محلية ورفاه اجتماعي وليس ابدا تقليص ميزانية العدوان والاحتلال والاستيطان. ان خطة نتنياهو تعني من حيث مدلولها الاقتصادي والاجتماعي ان نتنياهو متمسك بمنهج النيوليبرالية الرأسمالية الخنزيرية التي انتهجت خلال السنوات الست الماضي والتي كانت نتيجتها انتاج الفقر وتعميق فجوات التقاطب الاجتماعي – فحتى ان ان المقربين من نتنياهو امثال عميد بنك اسرائيل ستانلي فيشر وكثير من المعتمدين الاقتصاديين يعارضون خطة نتنياهو ويؤكدون انها ستعمق الازمة ولن تقلص البطالة. فمن جراء الركود الاقتصادي ستنخفض مداخيل الدولة من ضريبة الدخل في العام الحالي بحوالي 45 مليار شاقل اضف الى ذلك ثلاثة مليارات شاقل كما ان هذه الخطة ستفاقم تراكمات الدين الداخلي والخارجي الاسرائيلي، وتقليص ومحاربة البطالة والفقر يتطلب زيادة تدخل الدولة في العملية الاقتصادية بزيادة الانفاق والميزانيات الحكومية لخلق وتوفير اماكن عمل جديدة حتى لو كان ذلك على حساب زيادة عجز الموازنة العامة، اما مواصلة منهج الرأسمالية الخنزيرية حسب خطة نتنياهو فلن تقود الى التنمية ومحاربة الفقر والبطالة، انها خطة لنصرة الاغنياء على حساب زيادة ومعاناة الفقراء، فنتنياهو عمليا بخطته الاقتصادية الكارثية كمن يرش الملح والفلفل الحراق على جرح المآسي الاجتماعية.
