في مستهل العام التاسع على غزوة نيويورك وواشنطن، ما زال الصلح مستحيلا، وما زال النصر صعبا، وما زال البحث مستمرا، وقد تكثف في الاشهر القليلة الماضية، عن المخططين والمدبرين من جهة، وعن المسؤولين عن ضياع السنوات الثماني الماضية سدى.. إلا من مئات الآلاف من العرب والمسلمين الذين قُتلوا انتقاما لثلاثة آلاف اميركي سقطوا في البرجين.
بالأمس القريب نشرت صورتان معبرتان على هامش تلك الذكرى البائسة: واحدة للمخطط المفترض للغزوة خالد الشيخ محمد، وقد اعاد اطلاق لحيته حتى باتت تغطي صدره، وقد التقطها الصليب الاحمر الدولي في معتقل غوانتانامو الاميركي ووزعها بموجب اتفاق حديث مع الاميركيين. وثانية لمستشار الرئيس الاميركي باراك اوباما لشؤون البيئة فان جونز الذي كان يوصف بـ « القيصر الاخضر»، لكنه اضطر الى الاستقالة الاسبوع الماضي، بعدما كشف النقاب انه وقع قبل سنوات وثيقة لمفكرين ومثقفين اميركيين تقول ان ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش علمت سلفا بالهجمة على نيويورك وواشنطن لكنها لم تفعل شيئا لمنعها، لانها كانت تريد الخروج الى حرب على الشرق الاوسط.
في المناسبة، لم تصل اي خطبة من زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن ولا من نائبه ايمن الظواهري، على جري عادتهما. وصلت فقط رسائل قصيرة الى العراق والسعودية واليمن وغزة وغيرها، لكنها لم تكن مفهومة، ولا كانت مؤثرة طبعا. اكتفى الرجلان، كما يبدو، بالمنازلة الكبرى التي يخوضانها حاليا في افغانستان وباكستان، والتي لا تفسح المجال للكثير من التذكر ولا للنقاش... ولا حتى لمناداة الامة الى الجهاد الذي لا يلقى صدى او استجابة، خارج ساحة الوغى الافغانية التي تشهد واحدة من اشد المعارك ضراوة، وتنذر بفرار الكفار من انتحاريي المسلمين وعبواتهم الناسفة في فترة وجيزة قد لا تتخطى موعد الذكرى العاشرة لغزوة نيويورك وواشنطن.
وهذا وعد النصر الذي لا جدال فيه، والذي يمكن ان تسبقه واحدة من اشرس الحملات العسكرية الاميركية والاطلسية على افغانستان لبلورة استراتيجية الخروج من تلك البؤرة الاسلامية، ولتغطية الانسحاب الحتمي الذي يمكن الا يبقى كثيرون من تنظيم القاعدة وحركة طالبان كي يحتفلوا به... وقد لا يبقى ناخبون افغان كي يشاركوا في التجديد للرئيس حميد قرضاي.
اقفل البحث في معاقل القاعدة وطالبان على ذلك الوعد الذي يدب الرعب فعلا في قلوب الاميركيين والاطلسيين جميعا: لم يعد احد يحتمل كلفة البقاء في افغانستان لمطاردة اشباح لا يظهرون الا على شكل كتل نار ملتهبة. لكن، ما هو مدى الانسحاب وما هو اثره؟ والسؤال لا يرتبط بالمزاح حول التجربة الديموقراطية الافغانية. ثمة انظمة ودول عديدة يمكن ان تنهار لمجرد نشر صور الجنود الاميركيين العائدين الى بلادهم.
الذكرى تجددت، فقط لأن الحرب استؤنفت. وهي تدخل في واحدة من اخطر مراحلها. ولن يكون احد في العالمين العربي والاسلامي في منأى عن نيرانها.
