*والدي الذي لم يقرأ كتابات ماركس وانجلز ولينين, كان الوقت لديه يتوقف، عند جريدته "الاتحاد"*
في ذكرى رحيل والدي السنوية التي تحل الأسبوع القادم في تاريخ 6.11، لم اجد أغلى من صفحات جريدة "الاتحاد" التي رافقته عمرا بأكمله لأرفع له رسالتي.
الذكرى الاولى من والدي المحفورة في ذهني، هي محاولته الاولى تعليمي ربط رباط حذائي، كان يسميه "بْنود" وما زلت حتى اليوم اربط "بنود" حذائي على شكل وردة كما علمني في سنواتي الاولى في هذه الحياة.
كانت صداقتنا تتعدى الكثير من علاقة الوالد بابنته، ربما يوجد لاسمي الذي احمله وهو اسم جدتي (ام والدي) ، اثرا كبيرا في ذلك. اصر والدي عند ولادتي ان يسميني "نجمة" وترك حرية القرار لوالدتي بالنسبة لسائر اخوتي الذين يحملون أسماء حديثة نسبة لي.
مع الوقت ادركت حجم الحب الذي يحيطني به والدي عندما كان يهمس لِي في احلك أوقاته وعندما اراد ان يفضفض "انت أمي".
اذكر انه في الصف الخامس خلال احدى الحفلات المدرسية طُلب مني إلقاء احد الأشعار المحببة الي. قمت بالوقوف على المسرح بتنورتي الليلكية وبصوت عالي أطلقت العنان لنفسي - صارخة بجدية، تركت والدي الجالس بالصف الاول مدهوشا وفاتحا فمه:
"لم يقل لي وزرائي أبدا لفظ كلا
لم يقل لي سفرائي أبدا في الوجه كلا
لم تقل إحدى نسائي في سرير الحب كلا
إنهم قد علموني أن أرى نفسي إلها
وارى الشعب من الشرفة رملا"
في طريق العودة الى البيت سألني "يابا مين علمك هذا الشعر؟"
أجبته "نزار قباني".
قال لي: "اذا نزار، بيطلعله يحكي عن سرير الحُب"، انا لم افهم وقتها وهو ضحك بهدوء ممسكا بقوة بيدي الصغيرة. كبرنا وتشابكت اهتماماتنا وأصبحنا "نزعل من بعض" ونتصالح بعد مدة اقصاها 10 دقائق.
كنّا نتبارى على قراءة الجريدة -وكنت أفيق باكرا لاخطف "الإتحاد" من صندوق البريد واصطحبها معي الى المدرسة - ارجع بعدها الى البيت لأجد والدي بانتظاري على احر من الجمر، موبخا إياي في صوته الجهور "جعلكتي الجريدة، بعرفش اقرأها هيك".
قبل سنة داهمنا الموت، لم يطرق الباب ولم يستأذن. الموت الذي لم أتصالح معه ولا أظنني انني سأفعل يوما ما. هذا الموت الذي حرق روحي بفقدان ما زلت لا اعيه.
كبرت كثيرا في سنة واحدة، صرت وحيدة، لا أحَد يمكنه ملء الفراغ الذي تركته- بعض الأغاني تستحضرك امامي، حبك لعكا وللهريسة والحلاوة، خوفك من البحر وحبك للحياة - هي الأشياء الوحيدة التي تساعدني في الحفاظ على نفسي، و"الاتحاد".
قبل يومين احتجبت "الاتحاد" لأسباب عديدة وغير جديدة، قبل يومين شعرت بأن قسما من ذاكرتي المرتبط بوالدي، مهدد بالزوال.
"الاتحاد" ليست فقط جريدة "الحزب"، هي جريدتي بشكل خاص ولي حصة فيها.
"الاتحاد" مرتبطة بذاكرتنا الجماعية ولكنها مرتبطة اكثر وأكثر بذاكرتنا الخاصة.
وبالنسبة لي هي جزئية العلاقة الوحيدة التي ربطت والدي بالحزب الشيوعي، مثل الكثيرين من أبناء شعبنا.
والدي الذي لم يقرأ كتابات ماركس وانجلز ولينين, كان الوقت لديه يتوقف، عند "الاتحاد"- جريدته المفضلة.
والدي الجميل،
معلمي الاول وصديقي الاول وحضني الاول - أديب حسن علي، اللاجئ من قرية ميعار والمولود في قرية كابول الجليلية والذي عشق حيفا والحياة حتى الثمالة - انت وحدك يابا ، أصل الحكاية وفصلها.
دامت ذكراك اجمل وابهى،
ابنتك
نجمة.
