نعيد نشر اخر مقالات الرفيق الراحل د. احمد سعد والذي تشر في صحيفة الاتحاد وموقع الجبهة يوم الخميس الاخير (15 نيسان 2010)
لأجل عالم نظيف من اسلحة الدمار الشامل ومن العولمة الرأسمالية
في المعركة من اجل انقاذ البشرية والحضارة الانسانية من المخاطر الكارثية لاسلحة الدمار الشامل، من الترسانات الضخمة للاسلحة النووية والهيدروجينية والبكتريولوجية والكيماوية وغيرها من منظومات الصواريخ متعددة الابعاد والقدرات التدميرية، في ظل هذه المعركة التي تقودها قوى التقدم والسلام العادل في عالمنا، يتبادر الى الذهن العديد من الاسئلة والتساؤلات المنطقية. فهل يمكن انجاز الهدف الاستراتيجي بخلق عالم، والتوصل الى عالم خال من اسلحة الدمار الشامل بفصله عن مهمة استراتيجية اخرى، وهي اقامة نظام عالمي جديد، طابع عولمة جديد يختلف عن الطابع الخنزيري الرأسمالي التمييزي القائم؟ وهل يمكن انجاز عالم يسوده الامن والاستقرار والسلام في ظل التعامل مع القضايا المتشابهة بمعايير مختلفة ؟ كما يتبادر الى الذهن مثلا، الى متى ستبقى اسرائيل " فرفورا " على الساحة الدولية ذنوبها النووية والعدوانية مغفورة في حين يجري تجنيد امريكي – اوروبي – اسرائيلي مكثف لبلدان العالم وانظمتها ضد المشروع النووي الايراني؟
لقد رأينا من المناسب التطرق لهذا الموضوع بفعل عاملين اساسيين مترابطين عضويا. العامل الاول، انه خلال الاسبوع المقبل سيعقد في العاصمة الامريكية واشنطن بناء على مبادرة من الرئيس باراك اوباما " المؤتمر العالمي للحد من انتشار الاسلحة النووية "، هكذا اطلق عليه، اما الهدف المركزي الاساسي فهو استغلال هذا المؤتمر كوسيلة ضغط اضافية ضد المشروع النووي الايراني، العمل على تجنيد اوسع مشاركة دولية في الحصار على ايران وفرض اقسى العقوبات الاقتصادية والسياسية على النظام الايراني ! أما العامل الثاني فهو توصل الادارة الامريكية والنظام الروسي الى اتفاق لتخفيض انتاج وتحجيم القدرة الصاروخية الاستراتيجية لكل من البلدين كمؤشر لتطوير اتفاقات " سالت 2 " منذ العهد السوفييتي وتحسين مناخ وظروف الانفراج الدولي خاصة في القوتين العظميين من ناحية الطاقة الصاروخية.
وما يطرح نفسه من تساؤل هل يبعث هذان العاملان على التفاؤل بان يخدما مصلحة خدمة قضايا البشرية في مواجهة التخلف وغياب الامن والاستقرار والسلام العالمي وانتشار الفقر والبطالة وغيرها التي تفتقر اليها غالبية بلدان وشعوب البلدان النامية؟ وقد اكدنا في بداية هذه المعالجة ان اية مبادرات او خطوات تتخذ قد تكون ايجابية ومردودها قد يكون خيرا، ولكنها تبقى محجمة ومحدودة من حيث افق تطورها الاستراتيجي اذا ما ارتبطت بالتقدم في المعركة لاقامة نظام عالمي اكثر عدلا وانصافا للبلدان الفقيرة.
* حقيقة الفعل ورد الفعل:
ألدفاع عن المصالح الطبقية – الاستراتيجية الرأسمالية يعتبر المحك والحكم الفصل في بلورة السياسة التي تنتهجها مختلف البلدان. فالادارة الامريكية غير مخلصة في دعوتها لمنع انتشار الاسلحة النووية كهدف استراتيجي مركزي في مؤتمر واشنطن المرتقب. فكما تلجأ الادارة الامريكية وخدام استراتيجيتها الى التضليل بخلط الاوراق بين المقاومة والارهاب لتشويه جوهر ومدلول الكفاح العادل، لحركات التحرر الوطني ولحركات المقاومة ضد الاحتلال الامريكي في افغانستان والعراق والاسرائيلي في المناطق الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة وضد جميع القوى المناهضة للارهاب الامبريالي والصهيوني، فانها تلجأ ايضا الى التضليل بخلط الاوراق بين مشاريع تطوير الطاقة النووية للاغراض السلمية وبين مشاريع نووية للاغراض العسكرية، وذلك بهدف ابقاء البلدان النامية وشعوبها في غربة عن التطور العلمي التكنولوجي واستغلال الطاقة النووية في عمليات التنمية والاقتصاد المدني، في المجال الصحي وغيره من مجالات التطور.
فإحدى مآسي العولمة الرأسمالية الوحشية ان الدول الصناعية المتطورة مثل الولايات المتحدة الامريكية واليابان والاتحاد الاوروبي هي من تحتكر منجزات الثورة العلمية – التقنية الحديثة ليس في المجال العسكري فحسب، بل في الاقتصاد المدني وفي مجال التنمية الاقتصادية مما يؤدي الى توسيع وتعميق التقاطب الاجتماعي على النطاق العالمي بين بلدان " الشمال " الرأسمالية المتطورة والغنية التي تزداد ثراء، وبين البلدان النامية الفقيرة التي تزداد شعوبها فقرا والارتباط بعجلة التبعية في مؤخرة المركبة الامبريالية وببقائها حبيسة بسلاسل وقيود المجتمع الاستهلاكي الطفيلي التابع للمصادر الاجنبية.
ولمواجهة مؤتمر واشنطن للحد من انتشار الاسلحة النووية، عقد خلال الايام الاخيرة مؤتمر "رد الفعل
" في طهران الايرانية وبمبادرة ايرانية تشارك فيه عمليا الانظمة المناهضة للهيمنة البلطجية العدوانية الامريكية، تشارك فيه الصين وفنزويلا وكوبا وسوريا وغيرها. وهدف المؤتمر هو التأكيد على حق وشرعية البلدان النامية، الدول غير النووية، في تطوير مشاريع نووية للاغراض السلمية وليس ابدا للاغراض العسكرية العدوانية. وهذا ما اكده مرارا ويؤكده المسؤولون الايرانيون بان هدفهم من مشروعهم ومن تخصيب اليورانيوم هو الاستفادة من الطاقة النووية والسائل النووي لمحاربة السرطان والتخلف وليس لانتاج اسلحة نووية للقتل والتدمير والعدوان.
وحقيقة هي ان الامبريالية الامريكية ومعها اسرائيل الرسمية تعادي النظام الايراني ليس بسبب الادعاء بتطوير مشروع نووي للاهداف العسكرية، بل بالاساس الخوف والقلق من النفوذ الايراني المتزايد في الشرق الاوسط وجنوب شرق آسيا الذي يهدد مصالحها الاستعمارية الجديدة. وتعمل الادارة الامريكية والمحتل الاسرائيلي على المبالغة التضليلية بالمخاطر العدوانية الايرانية، وذلك بهدف جذب الانظمة العربية " المعتدلة " والمدجنة امريكيا الى حظيرة المحراب الاستراتيجي الامريكي – الاسرائيلي. كما تستغل التهويل للمخاطر الايرانية لصرف الانظار عن مخاطر الاحتلال الاسرائيلي وجرائمه وجرائم التحالف الامريكي – الاسرائيلي ضد البلدان والشعوب العربية. فتقزيم القضية الفلسطينية من خلال ابداء مركزية القضية الايرانية، محور استراتيجي ثعلبي لضرب المصالح الوطنية الفلسطينية والايرانية ولجميع شعوب وبلدان المنطقة.
*"ألعتمة ليست على قد يد الحرامي":
يواجه المشروع الامبريالي الامريكي – الاسرائيلي المسنود من الاتحاد الاوروبي وبعض انظمة الدواجن العربية وغير العربية لفرض عقوبات قاسية تشل حركة الحياة في ايران، الى درجة الامل باسقاط نظام الآيات الله والاطاحة به دون التخلي عن الخيار العدواني العسكري. ولعل المشاركة الاسرائيلية في مؤتمر واشنطن المرتقب بواسطة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سيكون من المشاكل التي قد تبرز في المؤتمر. "فمن في عينه خشبة، فبأي منطق اخلاقي يطالب بازالة القشة النووية من العين الايرانية" ! فاسرائيل التي تحتكر السلاح النووي ولديها – كما ينشر ويوثق، منذ عشرات السنين ترسانة نووية ويمتنع حكامها عن التوقيع على وثيقة جنيف لمنع انتاج وانتشار الاسلحة النووية، اسرائيل هذه ماذا سيكون موقفها وموقف اسيادها الامريكان اذا قام احد المندوبين العرب او غير العرب وطالب ان يتخذ المؤتمر قرارا يرفع الى مجلس الامن الدولي يلزم بجعل الشرق الاوسط واسرائيل منطقة نظيفة من السلاح النووي ووضع المنشآت النووية الاسرائيلية تحت تصرف عين المراقبة للجنة الدولية للطاقة النووية ؟ هل ستؤيد واشنطن هذا القرار ام ستهدد " بالفيتو " البلطجي العربيد ام ستمتنع في مجلس الامن عن التصويت لارضاء خصيان العرب والمسلمين المدجنين في وكر المحراب الامريكي؟
لقد مرت فترة اكثر من سنة ولم تنجح الادارة الامريكية في تجنيد دعم اجماعي في مجلس الامن الدولي يؤيد المشروع الامريكي – الاسرائيلي لتركيع ايران وتدجين نظامها والاطاحة به ان امكن ويلقى المعارضة من روسيا والصين في مجلس الامن الدولي. فروسيا والصين لا تؤيدان ابدا مشروعا يمس بالشعب الايراني والتدخل للاطاحة بالنظام وتغيير طابعه، ولكنهما مع اتخاذ وسائل ضغط انتقائية لمنع تطوير مشروع نووي عسكري في ايران. النظام الروسي انطلاقا من مصلحة " الدولة العظمى " الطبقية والاستراتيجية اكثر استعدادا من الصين في التوصل الى صياغة موقف توافقي، قبول رشى امريكية، وعدم اغلاق ملف الدروع الصاروخية الامريكية في اوروبا والاتفاق في مجال تحجيم الطاقة الاستراتيجية الصاروخية الروسية والامريكية وضمان الهيمنة المصلحجية الروسية – الامريكية عالميا واحترام مصالح كل منهما مقابل الانضمام الى حزمة من اجراءات العقوبات الضاغطة على ايران. أما الصين فموقفها اكثر حزما في قضية العقوبات على ايران، ضد اي عدوان عسكري ومواصلة التفاوض لحل القضية النووية الايرانية بالطرق السلمية وممارسة عقوبات اقتصادية وغيرها مخففة لا تؤثر على حياة الشعب الايراني. فللصين علاقات اقتصادية وطيدة ومتعددة مع ايران. فايران تزود الصين سنويا باكثر من احد عشر في المئة من احتياجات الصين النفطية. هذا اضافة الى العديد من الاتفاقيات التي وقعتها ايران مع الصين لاكتشاف واستخراج النفط والغاز الطبيعي الايراني وفي بلاد تملك ثاني اكبر احتياطي للنفط بعد العربية السعودية. وحسب العديد من التقديرات فان الصين قد وقعت مع ايران في السنوات الاخيرة على عقود واتفاقات تقدر باكثر من 120 مليار دولار في اقتصاد الطاقة الايرانية. اضافة الى ذلك فان ايران تعتمد على الصين في تكرير نفطها ومشتقاته في الصين اذ تبلغ حصة النفط المكرر في الصين اكثر من ثلث النفط الايراني المكرر. كما ان الصين اكبر "زبون" على ساحة العلاقات التجارية الايرانية – الصينية. ومقابل هذه العلاقة الصينية – الايرانية فان الامبريالية الامريكية تنشط لضرب هذه العلاقة وخاصة في مجال النفط لاضعاف ارتباط الصين بالنفط الايراني. فالمحتل الامريكي في العراق كان وراء توفير عقود امتيازات للتفتيش عن النفط واستخراجه لشركات صينية في العراق المحتل والوعد بان امريكا ستضمن تزويد السعودية بما تحتاج اليه الصين من نفط. ولكن قادة الصين على بينة من السياسة العدوانية الامريكية نحو الصين خاصة فيما يتعلق بتحدي ادارة اوباما للصين من خلال تزويد وبيع المنشقين في تايوان صفقة اسلحة تقدر بمليارات الدولارات، وعلاقة ادارة اوباما مع زعماء " التيبيت " والخلاف الصيني مع شركة الانترنت العملاقة "غوغل" وغيرها.
لقد نشرت صحيفة " يديعوت احرونوت " يوم الاحد الماضي، الرابع من شهر نيسان الجاري معطيات صارخة نقلتها من صحف فرنسية وامريكية تعكس حقيقة انه رغم " المقاطعة " الامريكية – الاوروبية لايران فان شركات صينية تعمل كوسيط لتجنيد مصنوعات شركات فرنسية وامريكية لتخصيب اليورانيوم وخدمة المشروع النووي الايراني. فعلى سبيل المثال كشفت وكالة " سي.بي.اس " في بحث لها قبل شهر ان عتادا " تكنولوجيا محكما " من انتاج شركات امريكية يشق طريقه الى ايران عن طريق "دبي" ودول اخرى خدمة للمشروع النووي الايراني. وقد اصابت الدهشة رجال المخابرات الامريكية عندما لاحظوا ان احدى الصور تبرز صورة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد في اثناء زيارته لاحدى المنشآت النووية يقف الى جانب عتاد من صنع الولايات المتحدة الامريكية!!
ما لا يود ادراكه رجال المخابرات واسيادهم ان جشع ارباب رؤوس الاموال في ركضهم وراء جني الارباح، لا يعرف حدودا، لا جغرافية ولا سياسية يمكن ان تقف حجر عثرة امام تحقيق المزيد من الارباح. وما نتمناه ان تتصاعد المعركة العادلة لبلورة عالم نظيف من اسلحة الدمار الشامل ومن الطابع الهمجي للعولمة الرأسمالية الخنزيرية.
