*نحن لم نولد لنموت الموت السّريع ولنترك خلفنا أهلًا ورفاقًا... فكفى تنكيلًا بتلك الأمّ المسكينة، ولا حاجة لأنّ نجعلها تعيش عذابًا قاتل...*
تدور في خلدي أسئلة كثيرة تستفزّني حول قضيّة حوادث الطّرق التي سلبت ولا زالت تسلب الشّباب هاربة بهم إلى الموت.
لماذا؟ إلى متى؟ أما زال هناك أمل على أنّ نصحو من غيبوبة أللاوعي؟
نستيقظ على صدمات، ونغفو على صدمات سببها أنّنا دائمًا نغمض عينينا عن واقع طفح به الكيل.
تلك الورود التي أزهرت قبل عدّة سنوات، هؤلاء الشّباب الذين شبّوا ليُزهروا داخل حدائق مستقبلنا الآتي؛ يموتون بلمح البصر دون إذن أو استئذان، دون أنّ يتحرّك ساكن فكري...
كلّ رحيل لشابّ خسارة لحياة كانت قائمة، خسارة لعائلة كانت ستُزهر، خسارة لطموحات كانت ستُعاش، خسارة لأحلام كانت ستُحقّق...
رحيل الشّباب أيضًا هو تحطيم قلب أمّ كانت ترى في ابنها الحياة وما فيها، أمّ يستحيل على أحد منّا شعور ذ?لك اللهب المؤجّج داخلها.. وحرق شموخ أبّ يعيش لأنّ ابنه يعيش.. فيرحلون ويأخذون أحبائهم معهم ، فالإنسان يموت بطريقة الأجزاء ، كلّما مات حبيب مات جزء معه.
حان الوقت لكي نعي ونفهم مدى المأسي التي تتغذّى من شبابنا، حان الوقت لنفكّر ، لننبت لا نذبل ، لنحيا من أجل الحياة لا لنموت من أجل السّرعة والظّهور، لنتعلّم من تلك المأسي ولنمنع استمراريّة الموت الدّامي وحضارة الموت المتفشّية ، التي أصبحت وباءً اجتماعيًا يُضاهي وباء "الإيبولا" الذي يقاومه العالم بأكمله ، ووباء ه?ذه الحضارة الدّامية نقف أمامه وكأنّما نقول: إلى اللقاء في موعد أخر أقصاه الشّهر القادم.
حان الوقت لنحدّ من انقراض رفاقنا وشبابنا،لنحدّ من إنتخاب الموت لأحبابنا،كفى أنّ نشاهد كلّ فترة مشاهد إجرام الجهل "غير المباشر"، كفى أنّ نخسر طاقات لمستقبل قادم... كفى أنّ نجعل من أنفسنا دمية بيد الموت،فنحن أقوى من الإنتهاء والموت، أقوى من الحوادث الدمويّة الانتحارية.
جماليّتنا تكمن في البقاء والتّحدّي، في الوجود،في الصّمود، وفي الإنتصار على الموت... فنحن لم نولد لنموت الموت السّريع ولنترك خلفنا أهلًا ورفاقًا... فكفى تنكيلًا بتلك الأمّ المسكينة، ولا حاجة لأنّ نجعلها تعيش عذابًا قاتل...
بأجزاء من الثّانية نجعل من حياتنا ردم ونجعل من أنفسنا ذكريات مستباحة...فبعد فترة تواسي الدّنيا نفسها بنفسها،والنّاس تقنع نفسها بأنّ القدر فوق كلّ شيئ،ويستفرد الحنين بإذلال الأمّ..والشّوق يستولي على ذلك الأبّ الكئيب الذي لطالما كان حلمه هو مستقبل إبنه المزهر.
حان الوقت لنعي!
