قريبًا مستوطنة نتنياهو الجديدة في بيت أوباما..
لا شك ان خطاب نتنياهو في الكونغرس الأمريكي كان تحديا للادارة الامريكية وسيد البيت الابيض تحديدا. وهي مسرحية هزلية تغلب عليها الوقاحة وقلة الذوق، لأنها خروج على الأعراف المتبعة. فهذا الرجل دخل أمريكا من الباب الخلفي، برغم رغبة صاحب البيت. وهي وجه من اوجه تمرد المسخ على خالقه. وواضح انه لم يأت بجديد، إلا إذا أراد ان يحرج ويربك الإدارة الأمريكية في "كشفه" لبعض البنود المتعلقة بالاتفاق المزمع عقده بين إيران والدول الغربية، لان الإدارة الأمريكية احاطته علما مسبقا بكل تفاصيل هذا الاتفاق، الذي أصبح حقيقة تنتظر التوقيع في الأسابيع القادمة، وربما في شهر ابريل/نيسان القادم.
وحين يفعل نتنياهو ذلك فإنما هي محاولة يائسة منه لعرقلة هذا الاتفاق وقد آثر ان يكثر من الزعيق والنعيق أمام الكونغرس، لعله يشوش على هذا الاتفاق ان لم يستطع افساده.
وحين يتحدى نتنياهو الإدارة الأمريكية في عقر دارها، ورغما عن إرادتها، ويحرض عليها، فإنما هو تدخل سافر في شؤون الدول الأخرى، ولا تقبل به اي دولة تحترم نفسها. وحين يفعلها هذا الربيب المدلل عند الأمريكان فإنما يكشف عورته أمام العالم اجمع، وهو العاجز عن فعل أي شيء أمام إيران. وقد كان بوده ان يورّط اسياده الامريكان وبقية الدول الغربية الاخرى في مواجهة دائمة مع إيران، لأنه يظن ان ذلك يصبّ في مصلحته، بينما هذه الدول اصبحت تدرك ان مصالحها في إنهاء هذا الملف، لا ان تظل رهينة لرغبة الاسرائيلي. وربما كان بمقدور نتنياهو في السابق، حين التقت مصالحه مع المحافظين الجدد، في التحريض على الحرب على العراق بادعاء وجود اسلحة دمار شامل عند صدام حسين. وكان هدف نتنياهو وقتها، وغيره من حكام إسرائيل، هو القضاء على الجيش العراقي وتقسيم العراق. وهو هدف إسرائيلي منذ أيام غولدا مئير، التي كانت تحلم ببلقنة الشرق العربي، زاعمة ان ذلك يصبّ في صالح الأمن القومي الإسرائيلي، واعتبرته أهم من التحالف العسكري بين إسرائيل وأمريكا. وفي هذا الاتجاه يأتي تحريض نتنياهو الأمريكيين اليوم، حتى لا يتم توقيع الاتفاق مع ايران. والحقيقة ان الامريكيين هم الذين تورطوا في العراق وسواه، وان أبناءهم هم الذين قتلوا في تلك الحرب العدوانية كرمال عيون نتنياهو وحكام إسرائيل. وهذه اللعبة القديمة لم يعد يحتملها الأمريكيون ولا الأوروبيون، لأنها تتعارض مع المصالح الحقيقية لهذه الدول، عوضا عن كونها تهديدا للسلم الدولي. وربما أراد نتنياهو ان يوهم نفسه، ويوهم شعبه ان الامور لا زالت كما كانت في الماضي، مع ان كل شيء تغير. وحين يتجاهل أي زعيم لأي بلد هذه المتغيرات فانه يكون كمن يدفن رأسه في الرمال، وهو ما حصل لنتنياهو. وربما راهن على كسب ودّ الناخب الاسرائيلي حتى يعود الى سدّه الحكم مرة اخرى بعد الانتخابات القريبة في اسرائيل. وهذا رهان الفاشلين والمغرورين، والذين لا حيلة لهم. فالاتفاق النووي مع ايران سيتم توقيعه رغما عن نتنياهو، ولن يكون أمامه من خيار إلا ان يهضم ويبلع هذا "الخازوق"، لان خياراته لن تتعدى الزعيق والنعيق. ولو كان لديه وحده خيار عسكري لما تردد في استخدامه، لأنه يعرف تماما نتائج أي حماقة عسكرية، فأجهزته الأمنية والمخابراتية والعسكرية قالت له، بما فيه الكفاية، باستحالة هذا النهج الكارثي.
هذا لا يعني ان نتنياهو وحكومته سيكفّون عن التآمر والسعي وراء أحلامهم المريضة، ومخططاتهم الجهنمية. فله في المنطقة حلفاء وأدوات يائسة وبائسة، وأهمها الرجعية العربية ممثلة بالسعودية ومن لفّ لفها، والعثمانيون الجدد في تركيا. وخيوط التآمر هذه واضحة في الآونة الأخيرة، ويمكن ان نسجل هنا كعنوان لهذا التآمر ذلك التقارب الفجائي بين النظام السعودي والنظام التركي والقطري، وتخفيف لهجة السعودية بخصوص "الإخوان المسلمون"، الذين اعتبرتهم في وقت سابق بأنهم "منظمة إرهابية". وربما تريدهم في المرحلة المقبلة كأدوات تخريب تستعملهم، بعد ان فشل رهانها في استدراج مصر والرئيس السيسي ليكونوا ضمن محورها، من خلال "الدعم" الاقتصادي لمصر. وزيارة الاردوغان للسعودية تدور في حيّز هذا الدور التآمري على إيران وباقي منظومة المقاومة، تحت مسمى "حلف إسلامي سنّي" ضد ما يسمّونه "الهلال الشيعي"، خاصة ان السعودية تتوجس من الاتفاق مع ايران كما يتوجس منه نتنياهو. وربما يكون السعوديون أكثر حدة من حليفهم الإسرائيلي، بعد النجاحات الباهرة للحوثيين وحلفائهم بالإمساك بمفاصل الدولة اليمنية في صنعاء، وهرب الرئيس الدمية عبد ربه هادي منصور الى عدن. فاليمن الى حد كبير اصبح خارج الهيمنة الخليجية والأمريكية، وقد يمتد محور المقاومة ليشمل هذا البلد. وما يعنيه التحكم بباب المندوب في الحسابات الاستراتيجية. وليس صدفة ان يسارع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للقاء الملك سلمان في الرياض قبل لقاء الأخير برجب طيب اردوغان، حتى يحذره من مغبة الرهان على هذا الحلف الإسلامي السني، لان أي تماد في هذا الاتجاه يعني حروبا مذهبية لن تحمي أصحاب العروش، ولا أولئك الساعين لها.
ولا ادري ان كان استطاع السيسي ان يغير رأي الملك سلمان، لكن كلمة مصر مهمة في كل الأحوال، وهي التي تعرف تماما أطماع اردوغان في كل من سوريا والعراق. وهذان البلدان هما ضمن الأمن القومي المصري، وإذا لم يتراجع ملك السعودية عن مواقفه الانتقامية، فلا سبيل لمصر وباقي العرب الشرفاء من مواجهة ما يدبر للمنطقة، سواء من القوى الاستعمارية، أو الصهيونية، أو الرجعية العربية. فمصر استردّت قرارها الوطني وإرادتها الحرة، وتسير في اكثر من اتجاه لكسب الحلفاء والأصدقاء. فصفقة طائرات "رافال" تمّت مع فرنسا، وصفقات الاسلحة مع روسيا والصين ذات بعد استراتيجي. وحدث هذا رغما عن امريكا وصنائعها في المنطقة. ومصر لا تبني مستقبلها على حساب المساعدات الخليجية الآنية، ولا مانع ان كانت مثل هذه المساعدات، طالما أنها لا تقيد حركة مصر. ويمكن ان نشاهد في الآونة الأخيرة تلك الضربات الموجعة للإرهاب في سيناء. ومصر تقترب هناك من حسم المعركة مع التكفيريين، والأيام القادمة ستحمل كثيرا من المفاجآت السارّة من مصر، وكذلك من سوريا والعراق. فالمجموعات الإرهابية، من "نصرة" و"داعش" واخواتها، تتلقى أقسى الضربات...!
