*استمرارا لنهجه الوطني والقومي كان من المبادرين لإقامة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، كجسم سياسي عربي يعبر عن طموحات الشعب العربي الفلسطيني داخلا وخارجا*
قال الشاعر:
وكم منزل في الارض ينزله الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل
في سنة 1964 عاد ابو خالد الى مسقط رأسه دير الاسد ليعيش بين أهل بلده وأقاربه واصدقائه مبتدئًا مرحلة جديدة من النضال والكفاح ضد سياسة السلطة ومخططاتها في الشاغور، عاملا على نشر الوعي الوطني والقومي والثقافي ومحاربة العائلية والطائفية ركيزة السلطة وسياساتها.
يقول روني شكيد - صحافي صهيوني يعمل في صحيفة يديعوت احرونوت مختص في الشؤون الفلسطينية- في كتابه "على الجدار" صفحة 119: يحيى ذباح مهنته عامل اجتماعي، انهى دراسته في قسم التربية في الجامعة الامريكية في بيروت سنة 1946 (الاصح سنة 1947). طريقه السياسي بدأه بالانضمام الى منظمة التحرر القومي (الاصح خلية سرية شيوعية) ويضيف: كان يحيى ذباح احد الذين صاغوا رؤى القومية العربية.
واستمرارا لنهجه الوطني والقومي كان من المبادرين لإقامة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، كجسم سياسي عربي يعبر عن طموحات الشعب العربي الفلسطيني داخلا وخارجا. كما لعب ابو خالد دورا كبيرا ومميزا في دعم الجبهة التقدمية في دير الاسد.
عمل ابو خالد بكل جد ونشاط على اقامة العلاقات الواسعة بين جبهة دير الاسد التقدمية والمؤسسات والمنظمات الخيرية الاوربية والفلسطينية التي تعنى بالشأن الفلسطيني، الذين تبرعوا بسخاء لتطوير دير الاسد ثقافيا واجتماعيا وعمرانيا.على رأس هذه المؤسسات – مجلس الكنائس العالمي، بواسطة صديق عمره الدكتور سامي جرايسي، وكذلك بالتعاون مع صديقيه الدكتور أوري ديفس والدكتور نلس النرويجي.
بمساندة هذه الجمعيات الخيرية الاوروبية والفلسطينية باشر ابو خالد بإقامة المركز الثقافي - كان غرفا مستأجرة - حيث اقيمت النشاطات الثقافية، التربوية، الاجتماعية، الندوات السياسية، والمحاضرات في شتى المواضيع والمجالات. كما عمل المركز الثقافي على استضافة الوفود الاوروبية الشعبية التي بدأت تصل الى دير الاسد تباعا، حيث استمعوا الى المحاضرات التي قدمها لهم ابو خالد عن اوضاع الاقلية العربية في اسرائيل، سياسة التمييز العنصري، ومصادرة الاراضي العربية لإقامة المستوطنات اليهودية،والاوضاع الفلسطينية بشكل عام. داحضًا الدعايات الصهيونية والاسرائيلية حول الحقوق والمساواة والديمقراطية.
بعد ذلك حصل على مساعدات من الجمعيات الخيرية، فاشترى ارضا واقام عليها بناية المركز الثقافي الحالي،مع ساحة واسعة حوله وحديقة لروضة الأطفال.
حفل المركز في هذه الفترة بالنشاطات المتنوعة على مدار الاسبوع منها الرياضية والتعليمية. دورات لرياضة الكاراتيه لكل الاجيال، دورة حاسوب، دورة موسيقى، دورة لغة انجليزية، دورة خياطة للبنات، إلى جانب المحاضرات والنشاطات السياسية والأدبية والثقافية.
ثم اتجه بعد ذلك إلى الناحية العمرانية وتطوير شبكة الطرقات في دير الاسد. فبادر الى اقامة مخيمات العمل التطوعية العالمية، حيث توافد المتطوعون من معظم الدول الاوروبية، وشاركوا اهالي دير الاسد العمل والبناء على مدار اسبوعين حيث استضافهم الاهالي في بيوتهم.
هذه الوفود اصبحت فيما بعد رسلنا كفلسطينيين إلى الشعوب الأوروبية كأصحاب حق وقضية.
*ثمار التطوّع*
المشاريع التي انجزت في هذه المخيمات بمبادرة من ابي خالد وبمساعدة التبرعات المالية من الخارج:
أولا: شارع الحارة الفوقى والشرقية.
ثانيا: شارع الحارة القديمة، الذي كان عبارة عن مستنقعات مياه آسنة ومسكنا للبعوض والهوام.
ثالثا: الخندق. اقامة قناة اسمنتية للقضاء على تجمعات المياه الآسنة التي تنبعث منها الروائح الكريهة التي كانت مستودعا للبعوض والهوام والتي تشكل خطرا على حياة الاهالي.
لم يتوانَ ابو خالد عن مد يد العون لأي تجمع سكاني عربي، فبالتعاون مع اهالي عرب الكمانة اقاموا روضة لأطفالهم فزودهم ابو خالد بالأثاث والالعاب.
بالتعاون بين جمعية خيرية هولندية جمعية مجلس الكنائس العالمي، وبالتنسيق مع ابي خالد تم انجاز مشروع مد خط انابيب لمياه الشرب لعرب الحصينية وتغطية تكاليف هذا الخط من قبلهم.
بذلك وفر هذا الخط لعرب الحصينية المياه العذبة التي تعتبر العنصر الأساسي في الحياة والبقاء.
أن هذا الانجاز ساهم في أن يتشبث عرب الحصينية بأرضهم والاصرار على البقاء. مع العلم ان المجلس الاقليمي ميسجاف وبإيعاز من السلطات امتنع عن توفير المياه لهم تمهيدًا لاقتلاعهم.
أخيرًا اضطرت السلطات الى الاعتراف بعرب الحصينية كقرية (وسميت قرية الحصينية العربية وتتبع للمجلس الاقليمي ميسجاف).
تلقى ابو خالد سنة 1983 دعوة من المنظمات الأوروبية الفلسطينية التي تهتم بالشأن الفلسطيني داخليًا وعالميًا لإلقاء محاضرات عن الأقلية العربية في اسرائيل وسياسة التمييز العنصري تجاههم وأوضاع الفلسطينيين عامة.
لبّى ابو خالد الدعوة واصطحب معه الدكتور حسن أمون حيث جالوا في أوروبا على لندن، امستردام وأوسلو. التقوا اساتذة جامعات وأكاديميين وناشطين سياسيين واجتماعيين وصحافيين واعلاميين ونقابيين. فاستمعوا الى محاضراته القيمة الواسعة، وأجاب على كل التساؤلات ودخل معهم في حوارات ونقاشات فقد شرح لهم أبو خالد السياسة الاسرائيلية، الصهيونية العنصرية، والتمييز العنصري تجاه هذه الاقلية في التربية والتعليم والحقوق والعمران والاقتصاد. هذا التمييز الذي دأبت السلطات على خنق هذه الأقلية، بالإضافة الى مصادرة الأراضي التي يملكونها أبًا عن جد لإقامة المستوطنات لليهود، وتجريد هذه الأقلية من أراضيها ركيزة حياتها في هذا الوطن.
لقد عمل ابو خالد بكل قوة وعزيمة وبدون كلل أو ملل لإيصال ذلك الى الأوروبيين بشكل خاص والعالم بشكل عام اعتقادًا منه أن ذلك لا يتم الا بالجد والمثابرة.
*كان دائما متفائلا*
قال الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
ابو خالد لم يؤمن بالإحباط واليأس كان دائما متفائلا يرى ان المستقبل سيكون الى جانب الفلسطينيين لتحقيق امنياتهم وتطلعاتهم القومية والوطنية بدون تعب او كلل والتسلح بالعلم والثقافة، لأنه كان يرى ان الصراع مع الصهيونية هو حضاري بامتياز.
طوال فترة 22 عامًا التي رافقته فيها كصهره وصديقه لم يخلُ بيته اسبوعًا واحدًا من الزائرين الأوروبيين كوفود أو فرادى. فكان يستقبلهم بكل حفاوة ورحابة صدر مجيبًا على كل تساؤلاتهم حول مزاعم الصهيونية والسلطات الاسرائيلية حول المساواة بالحقوق والواجبات في كل نواحي الحياة وان اسرائيل دولة ديمقراطية.
هناك كيبوتس يقع الى الغرب من دير الأسد أقيم على أراضي دير الأسد، جولس ويركا يدعى "توفال" كان يستضيف وفودًا من الشباب اليهود الصهيوني التي ترسلهم الحركة الصهيونية "للاطلاع على أحوال اليهود وكيف عملوا على تطوير البلاد وإعمارها وعن الديمقراطية الاسرائيلية والمساواة التامة بين مواطنيها".. بعض من هذه الوفود كانت تطلب من المشرفين عليهم الاستماع الى الجانب الآخر من المجتمع الاسرائيلي (اي العرب) فاتصلوا مع ابي خالد عارضين عليه اعطاء بعض المحاضرات لهؤلاء الشباب. فاستقبلهم ابو خالد بكل رحابة صدر وناقشهم بهدوء داعمًا اقواله بالبراهين والحجج الدامغة حول سياسة السلطات الاسرائيلية العنصرية، وعن الفلسطينيين. فكان يقلبهم من مؤيدي اسرائيل الى مناهضين لها. فعند عودتهم الى الكيبوتس اثاروا جدالات ونقاشات حادة مع المنظمين مما دفع هؤلاء المسؤولين الى ايقاف التعامل مع ابي خالد.
هناك حادثة أجلتها الى آخر مقالتي، حيث اعتبرها انها رسالة موجهة من ابي خالد الى جميع الفلسطينيين في كل اماكن تواجدهم.
قال لي: في سنة 1965 كنت على موعد مع موظف كبير من الشؤون الاجتماعية من تل ابيب على الالتقاء في مطعم قبالة سينما ارمون في حيفا. تأخر هذا الموظف عن الموعد، لاحت مني التفاتة فاذا بإعلان على جدار سينما ارمون يدعو لسماع محاضرة لناحوم غولدمان وكان آنذاك رئيسًا للوكالة اليهودية. دخلت واستمعت الى محاضرته. بعد أن أكمل محاضرته قال للجمهور: كل هذه الأمور التي تحدثت عنها، لا تهمني، يهمني فقط ما هو مكتوب بهذه الورقة، فمد يده الى جيبه وأخرجها فتساءل الجمهور عما هو مكتوب في هذه الورقة فأجاب:عندي في هذه الورقة احصائية تقول إن الفلسطينيين يشكلون %50 من الكادر العلمي والأكاديمي في كل العالم العربي من المحيط الى الخليج. مع شعب عنده هذه القدرة والكفاءة العلمية كيف سأعيش؟ تساءل..
وهذا يعني للفلسطينيين أن الصراع مع الصهيونية واسرائيل هو صراع علمي، ثقافي وحضاري وليس صراعًا دينيًا، كما صوّروه وسوّقوه في العالم الغربي، فأفيقوا أيها الفلسطينيون.
آمل أن أكون بهذا قد أوفيتك حقك يا عم يا أبا خالد. وعسى أن أكون قد بينت المحطات المضيئة الهامة الملهمة في حياتك، لأني أرى في هذه المحطات نبراسًا يضيء الدرب أمام الأجيال القادمة في فلسطين ودير الأسد ويساعدهم على تلمس طريقهم لبناء مستقبلهم وعلهم يستفيدون من حياتك النضالية الكفاحية القومية والوطنية.
وكما قال الشاعر الحمداني:
سيذكرني قومي اذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
حقًا لقد فقدناك يا ابا خالد خاصة، في هذه الأيام التي تمر بها القضية الفلسطينية والحقوق الشرعية، كما تفتقدك دير الأسد في هذه الأيام أيضًا.
رحمك الله يا أبا خالد. (انتهى)
(الكاتب معلم متقاعد من دير الأسد)
