يدور الجدل حاليا في الشارع الفلسطيني حول ثقافة المقاومة والصمود وثقافة التفاوض وفن التفاوض و التسامح وقبول الآخر . ويختلط الحابل بالنابل وتوزع الاتهامات مجانا حتى تصل درجة التخوين والتفكير و التلاطم بالأيدي و التراشق بالرصاص وبالحجارة وحتى بالكلام . أترون حتى بالكلام ... فنحن شعب حضاري... نجيد الكلام ونقرن القول بالفعل ... فيصل التمزق و الانقسام ! لدرجة نسيان أننا شعب محتلة أراضيه ومخترقة ارادته، كما ننسى أننا في مرحلة التحرر الوطني . إن ما يدور في المناطق المحتلة 67 من صراع بين الإخوة وبالأحرى بين من ابتلى بهم شعبنا من زعامات لا يضر بالمصلحة العامة وحسب إنما يضرب الشعب العربي الفلسطيني في الصميم ، وليس في دائرة المناطق المحتلة إنما أيضا في الشتات وفي مناطق الثمانية وأربعين ، يصيبه بالإحباط – وليس بعد الإحباط من كفر .. وليس بعد التشكيك بالنوايا من كفر وليس بعد الكفر من ذنب في حق هذا الشعب وما من حدود على ما يظهر... فكل شيء مباح بالكلام وبالسلاح وبكل ما أوتينا من قوة واستقواء على بعضنا البعض . ومهما كنا أقوياء بالنفس ومحصنين إلا أن هذه الأوضاع الراهنة تصيبنا بالإحباط، فنرى أننا وبعد واحدة وستين سنة من القهر و اللجوء لم نتعلم الدرس الأول في أن الاحتلال هو أساس كل المصائب. ألصحيح هو أن المقاومة لا تولد بقرار و الصحيح هو أن أي احتلال يستدعي ويولد المقاومة ، فكرة المقاومة بكل أشكالها وبحسب الظروف من المقاومة المسلحة وحتى الرفض بالصمت وعدم التعاون مع المحتل . صحيح أن المقاومة المسلحة تقوم بقرار سياسي من اجل الضبط و الربط و منع الفوضى (فوضى السلاح) وصحيح أيضا ومهم جدا أن ينفذ القرار السياسي العسكريون من جهة فصائل المقاومة ويكون الحراك الشعبي و النضال الجماهيري في أثرها أو معها كحاضنة . صحيح أننا أمام مشروعين مختلفين بخصوص الدولة الفلسطينية وهل تكون دولة علمانية دمقراطية أو دينية ثيوقراطية جهادية سلفية تحكمها قوانين الشريعة . ومن يظن أن الحسم بهذا الموضوع سوف يكون تحت حراب الاحتلال فهو واهم .. ان اللاعب الأساسي في مسألة "الحسم الدمقراطي" هو الاحتلال. إننا لم نتعلم من تجارب الآخرين في مسألة التحرر الوطني الذي يوجه كل سهامه نحو المحتل أولا وقبل كل شيء . فكلما عملنا نحن على بناء الجسور يعمل هو باستمرار على هدمها . فالاحتلال نقيض للوحدة الوطنية وهو رديف للمقاومة، وهذا لا يعني إلغاء التفاوض. بل العكس تماما يكون التفاوض أنجع إذا كان من منطلق القوة ، الوحدة الوطنية قوّة وإرادة المقاومة قوّة تسرّع عملية إنهاء الإحتلال . ومن خلال التاريخ لم نسمع عن محتل احتل بالقوة خرج بدون القوة .. ومن خلال التاريخ كله لم نسمع عن محتل خرج عن طريق الاستجداء. ومن يعتقد ذلك فهو واهم . لقد وصل الإحباط لدى بعض فئات شعبنا إلى درجة الكفر بالمقاومة وعدم جدواها.. وهذا البعض فقد البوصلة، فأصبحت الخيانة وجهة نظر. لكنني وبرغم كل ذلك لا أريد أن أخوّن أحدا . إن مرجعيتي في كل ذلك هي الناس.. الجماهير.. المواطنون الساعون حثيثا نحو المواطنة و الحياة الحرة الكريمة في وطن مهما طال الزمن. لم ينتصر صلاح الدين الأيوبي إلا بإرادة القتال و الإيمان العميق بعدالة قضيته. ولن تنتصر قضية ريتشارد حجر الذهب في فضح جرائم الاحتلال بغزة إلا بالوقوف صفا واحدا في وجه الاحتلال وكسب الرأي العام العالمي مهما طال الزمن ومهما راوحت هذه القضية في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومجالس حقوق الإنسان . فمثلما أعطى الضغط الشعبي الفلسطيني أُكله سوف يكون لضغوط شعوب العالم على حكوماتها اثر في هذه المسألة. إذًا ولو أن المسألة ليس مسألة رياضيات فان ضغط الشارع الفلسطيني على زعمائه وضغوط مؤسساته المدنية وأحزابه التي تعبر عن نبضه و الحراك الشعبي سوف يجير ولاته على إدراك سلم الأولويات بان الاحتلال أولا
