لا ابالغ إذا قلت إننا أمام مشهد سريالي، عبثي مدمر، لأن المرحلة الحالية تشهد أخطر ما واجهناهُ عبر السنين والقرون من سطو على العقول وتغييبها، وغسل للادمغة وتشويهها، تمامًا كما يفعل الضبع مع الإنسان عندما يظفر به فريسة متاحة.
وهذا اختراق خطير للعقل العربي ما كان ليتم لولا حالة الردة القائمة في منطقتنا العربية، منذ أكثر من أربعة عقود، بفعل عوامل كثيرة، مما سهّل الاجهاز على أغلى وأروع ما في الإنسان العربي، عقله. وتم توظيف المال والإعلام والحرب النفسية والدين، من أجل القيام بهذا الاختراق لتحريك الجماهير العربية إلى قطيع يقاد ويوجه كما يريد أولئك الذين خططوا لهذا الأمر. وهي بكل تأكيد مراكز أبحاث معادية، وأجهزة عالمية، في تغيير واضح لتكتيكاتها وصولًا الى الهدف الذي سعت إليه دائمًا، وهو ديمومة السيطرة على هذه البقعة الاستراتيجية الهامة جدًّا في العالم. وكانت الرجعية العربية، بأنظمتها المختلفة والتيارات الأصولية الطامعة في الوصول الى السلطة، أدوات في هذا المخطط. وهي حينما تقبل بأن تؤدي هذا الدور المريب والرهيب فلأنها تظن أن هذا يخدم بقاءها، أو يعطيها شيئًا من الفتات. وهو افتراض خاطئ وغير صحيح، لأن الموظفين لها سيلفظونها بعد إتمام المهمة، ولن تكون لهم حاجة بها. لكن أحقاد هذه الأدوات، ومحدودية فهمها، وعدم مقدرتها على التفكير السليم، وتخلفها الاجتماعي والفكري، جعلها تتخبط وتمعن، وتواصل السير في الطريق الموحش بعد أن عميت ابصارها وبصائرها، في ظل الطفرة المالية التي حققتها من عوائد الثورة الوطنية التي نهبتها، وحرمت شعوبها منها. فأصبحت في حالة جنون وغرور، ووظّفت هذا المال المنهوب من الشعوب لشراء الذمم، من كتاب وصحافيين ونخب سياسية، وحتى دول ضاقت بها الأحوال، فظنت نفسها أنها صاحبة سطوة وقوة، وبإمكانها أن تفعل ما تريد، بعد أن خلا الميدان لها في ظل الردة القومية العربية، التي أعقبت عدوان حزيران عام 1967، ورحيل جمال عبد الناصر عام 1970، وقد كان حجر العثرة أمامها في سنوات المد القومي الثوري. وهذه القوى الرجعية العملية، ومن وقف وراءها من قوى استعمارية وصهيونية، هي التي قاومت جمال عبد الناصر القومي العروبي، والمسلم السني، والثائر الإنساني. وحاربته، خفيةً اغلب الأحيان، وعلنًا كما حدث مع مملكة آل سعود في اليمن. وقتها كان شاه إيران، "الفارسي" "المجوسي"، يعمل بوحي من أسياده شرطيًا للخليج، وصديقًا قويا لإسرائيل. وكانت الأنظمة الرجعية العربية صديقة لهذا الشاه "الفارسي". ولم نسمع وقتها مصطلحات السنة والشيعة، التي نسمعها الآن، لأن عدو هذه الأطراف جميعًا كان جمال عبد الناصر الثائر. وليس ذلك صدفة، لأن هذا الزعيم كان وطنيًا، قوميا، تحرريا، ثوريا. وقد حاربوه لأنه يحمل هذه الصفات، ولأنه صاحب هذه المبادئ.
فهذه الرجعية، سواء كانت عربية أم إيرانية، هي صنيعة الاستعمار. ولم تكن تحتمل أن تسمع مصطلحات الثورة والتحرير والعدالة الاجتماعية. وبعد رحيل جمال عبد الناصر وجدوها فرصتهم للانقضاض على الأمة وعلى موروثها ومفاهيمها، حتى يقضوا على روح الثورة في الإنسان العربي إلى ابد الآبدين. وحين تخلص الشعب الإيراني العظيم من الطاغية، وانهوا حكم الطاووس في طهران، بقيام الثورة الإسلامية التحريرية بقيادة الإمام الخميني، ناصبوا هذه الثورة العداء من يومها الأول. ولأنهم كانوا غير قادرين على مواجهتها أو التصدي لها حرّضوا الرئيس العراقي صدام حسين، وجرّوه للقيام بالمهمة القذرة، وصوّروا له أن المد "الشيعي" قادم الى العراق. وساندوا صدام بالمال والسلاح، لمحاربة الثورة الإيرانية الفتيّة، لان ما كان يرعبهم هو مصطلح "الثورة". ووقع صدام حسين في الفخ، الذي نصبوه له، وهو ابن للثورة العربية. فكان ما كان من حرب دامية بين العراق وإيران، استمرت ثماني سنين متوالية.
وبعد أن أنجز لهم صدام هذه المهمة، انقضّوا عليه حين شجعوه مع الأمريكان على غزو العراق، وفتحوا حدود بلادهم لقوات الغزو الأمريكية - البريطانية، ظنا منهم انهم تخلصوا من عدوين اثنين: إيران وصدام. لكن حساباتهم كانت خاطئة، كما في كل المرات، لان إيران شهدت بعد الحرب نهوضا في كافة المجالات، وخاصة العلمية، حتى أصبحت في النهاية دولة نووية اعترف العالم لها بذلك، وأصبحت القوة الإقليمية الكبرى. وقد غاظهم أن يكون لإيران ما أرادت، وان تحقق الإنجازات الكبيرة، فكان سلاحهم الأخير في وجه إيران وتلك الدول والشرائح العربية المتحالفة مع الثورة الإسلامية هو إثارة النعرات المذهبية، وتلك الهجمة المحمومة على كل ما هو شيعي، فاستعملوا المصطلحات البائدة واستعادوها من كتب الفتنة الصفراء. فالإيرانيون أصبحوا "الفرس" و"الصفويين" و"الرافضة"، وكل هذه المسميات التي لا هدف من ورائها إلا إذكاء نار الفتنة المذهبية.
لقد شيطنوا إيران، وشيطنوا الشيعة، مع ان المذهب الجعفري الشيعي والمذهب السني هما جناحا الإسلام - كما قال شيخ الأزهر الدكتور احمد الطيب، في تصريح له حين كان قبل أيام في اندونيسيا. ومن قال إن كون المرء فارسيا هو مدعاة للعيب؟! فالفارسية هي إحدى القوميات الإيرانية، وتمثل ثلث السكان. وهي قومية محترمة، كما القومية العربية، وباقي القوميات الأخرى التي نكنّ لها كل تقدير واحترام. فالقومية في مفهومنا هي الوجود الإنساني لمجموعة من البشر، يجمعها التاريخ المشترك والثقافة واللغة. وهي غير القومية المتعصبة العدوانية الشوفينية. وللأسف الشديد فان الإنسان العربي، وفي ظل هذه الظروف غير الطبيعية، ظروف الردة والانكفاء، وجد أذنا صاغية لهذه المصطلحات الهدامة، والأفكار السامة. ونتيجة للضخ الإعلامي المتواصل، وشراء الذمم، فقد أصيب هذا الانسان بنكسة قوية حين تقبل هذا الإفساد لعقله، لنشهد ونرى اليوم هذه الفتنة التي تعصف بعالمنا العربي، وتقسيم الأمة الى مذاهب وطوائف، مما جعل الأعداء يسرحون ويمرحون على هواهم.
لقد حان الوقت أمام العقل العربي أن يصحو من هذا التخدير، الذي أصابه وافسد حاله، وشوّه صورته، وأطاح بطموحاته، وافقده بوصلته. فإيران ليست العدو، والشيعة ليسوا أعداءنا، وإنما هم إخوتنا كما كل مكونات المجتمع العربي. وهذه الفسيفساء الرائعة في مجتمعاتنا العربية هي الضمان الوحيد لبقائنا أسيادا وأحرارا فوق هذه الأرض. أما أولئك الذين فقدوا الشجاعة ليقولوا كلمة الحق والصدق، فإنهم يسهمون، من حيث يدرون او لا يدورون، في استمرار المشهد العبثي السريالي، الذي يضرب منطقتنا العربية.
ومن حقي أن أتساءل: لماذا لم تقف معظم أحزابنا وحركاتنا هنا في الداخل موقفًا شجاعًا ضد الحرب العدوانية على اليمن، ولم تشجب العدوان السعودي على الحراك الشعبي السلمي في البحرين. فالوحيدون الذين الذي اتخذوا موقفًا مشرفًا وصريحًا هم الإخوة في الحزب الشيوعي والجبهة. أما الآخرون فلا أحد يقول كلمة حق واحدة..! ثم لماذا هذا الموقف الرمادي من قبل هذه الأحزاب، باستثناء الحزب الشيوعي والجبهة، تجاه الحرب العدوانية على سوريا، وقد أنهت عامها الخامس؟! ومن حقي أن أتساءل كذلك: هل إفساد العقول الى هذا الحد قد وصل أيضًا إلى قيادة هذه الأحزاب والحركات، أم أن لها مصالح ضيقة عند حكام مشيخات الخليج، الملطخة أيديهم بدماء الابرياء العرب؟! وكانت آخر تلك الدماء تلك التي سفكت في مدينة بين قردان في تونس الشقيقة، التي وقف أهلها في وجه قرارات وزراء الداخلية العرب ومجلس التعاون الخليجي، التي تمادت في التطاول على المقاومة اللبنانية..!