للحرف العربي سحر خاص به والسؤال: ماذا يكون عندما تتعانق الحروف وتتشكل الاسماء؟
للأسماء في رواياتنا ايقاعاتها الخاصة لبيئة وزمان حامليها.. هل يَصدق هذا الكلام في حديثنا عن رواية (نار في المنار) لأسامة مصاروة؟
في استهلال روايته يخبرنا الكاتب أن أحداثها وشخصياتها بأجمعها خيالية أتت من نسج الخيال وأي تشابه بينها وبين الواقع هو محض صدفة. بعد قراءتي للرواية مستمتعا وجَدتُ مؤلفها يحلق بعيدًا عن دنيا الخيال ويمتطي صهوة الواقع، ففيها قرأتُ قصتي وواقع حياتي كفلسطيني في هذه الديار.
لقد استبدل الكاتب النور بالنار.. فالمعروف لدى العارفين أن المنار هو مَرقد النور الذي يُرشد التائهين.. أما النور في هذه الرواية فنشاهده نارًا او حريقًا يشتعل لهيبه في هيكل المنار.. والمنار هنا على ما اعتقد يرمز لكيان دولة يصفها حكامها صباح مساء أنها واحة خير وأمن وأمان تتموضع في صحراء عربية مسكونة بالرمل والسراب واليباب.
في تصويره لقمعنا واذلالنا نحن فلسطينيي الداخل يفنّد الكاتب اكذوبة المنار هذه نافخًا ناره في منار معتم لا يعرف الأنوار!
في حديقة الأسماء نلتقي أشواكًا وورودًا.. في سرده الجميل يشحننا الكاتب بأمصال فيها إحباط وفيها إنعاش.. من المحبطات لقاؤنا مع (رامي) ابن زعيم البلد، والرامي في ضادنا هو الذي يتقن الرماية وهو القناص وهو ايضا السبّاق الى الخير. في تصويره فساد الزعيم وابن الزعيم ينقلب (رامي) في مِداد يراع كاتبنا الى سبّاق الى الشر.. لعل الكاتب بهذا يريدنا ألا ننخدع ببريق الأسماء فهي مسمّيات تتسم بالتمويه في كثير من الأحيان.. فهي الممنوحة للفاسدين والمفسدين من حكام وإمّعات!
أما المنعشات فمنها نختار باقة أسماء تضم (نضالا) وفي حروفه يشمخ اسمه واسم والده (عبد الناصر).. هذا الذي يذكرنا بالزمن الجميل والنضال الاصيل.
من مشاتل ورد أسامة تطل علينا (زيتونة) التي يناديها أهلها (جيهان) وهذه الزيتونة صبية فلسطينية تعيش عشقا افتراضيا مع (كرمل) الذي يناديه أهله (نضال). مَن هو نضال؟ نضال شاب مناضل.. كاتب مقاوم.. تكرر اعتقاله من قِبل الطغاة بسبب ضميره الوطني الانساني.. انه الذي اعتقلوه في المطار بأمر من مخابرات بلادنا! انه الذي يطالبنا من خلال حديثه مع أخته نرجس.. يطالبنا بالصبر عند تفتيشنا وتعريتنا في المطار الاسرائيلي.. يريدنا نضال قبول نهجهم هذا وبتهكم صارخ صادق يحثنا على قبول لذة اذلال الفلسطينيين التي يعتمرها جنود الجيش الأكثر انسانية وأخلاقا بين جيوش الكون!!
على امتداد صفحات الرواية وفوق سطورها وبين سطورها يكتوي العاشقان (نضال وجيهان) بنار أصحاب المنار المزعوم ويخرجان ليتّحدا في قران بهيج سعيد.. في عرس هذه النهاية تشدو عنادل فلسطين فالكرمل والزيتون يتعانقان بودّ وأمان..
صباح الخير د. أسامة مصاروة.. بوركتَ!
