توجه أمس الاثنين رئيس حكومة اليمين المتطرف بنيامين نتنياهو برفقة وزير الحرب إيهود براك وطاقم من المسؤولين السياسيين والعسكريين والاقتصاديين الى واشنطن، للمشاركة في الاجتماع السنوي لمنظمة " إيباك ". ومنظمة إيباك هي السقف الذي يوحد داخله مختلف المنظمات اليهودية في واشنطن والولايات المتحدة الامريكية، والتي في مركزها المنظمة الصهيونية واللوبي الصهيوني صاحب النفوذ ووسائل الضغط المالي والاعلامي والسياسي على الادارة الامريكية، وعلى الخارطة السياسية الامريكية وقواها السياسية المتنفذة وبالاساس على الحزبين المركزيين اللذين يتداولان السلطة، الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري.
ولا يقتصر نشاط مؤتمر الايباك السنوي على تلخيصات ومداولات ومناقشات المنظمات الصهيونية وغيرها الداعمة للسياسة العدوانية الاسرائيلية، بل يشارك في الانفتاح وفي بلورة الموقف والاستنتاجات مسؤولون من الادارة الامريكية ومن الحزب الجمهوري غير المشارك في السلطة. ويؤلف مؤتمر الايباك الصهيوني عمليا صورة مصغرة، تجسيدا لجوهر شكل مصغر للتحالف الثلاثي العدواني القائم بين ادارة الامبريالية الامريكية والمنظمة الصهيونية في الولايات المتحدة الامريكية ( الايباك ولوبي الضغط الصهيوني ) واسرائيل الرسمية، العلاقة الجدلية المبنية على تشابك مصالح استراتيجية العدوانية الامريكية – الصهيونية في الشرق الاوسط وكونيا. فالامبريالية الامريكية قد حولت اسرائيل الى اقوى ترسانة عسكرية عدوانية ضاربة في المنطقة، تحرس وتخدم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية الامريكية والتي تنسجم مع سياسة التوسع الاقليمي العدواني الصهيوني. ولهذا فان المسؤولين الامريكيين من رؤساء الادارة الامريكية السابقين والحاليين وغيرهم يقولون الحقيقة عندما يؤكدون، ان الولايات المتحدة الامريكية حريصة كل الحرص على ضمان ومواصلة ضمان بقاء اسرائيل متفوقة عسكريا من ناحية نوعية على جميع بلدان الجوار العربية. وتكذب الادارة الامريكية عندما تربط بين تحول اسرائيل الى الاسبارطة العسكرية في الظرف الراهن وبين الهدف المركزي من وراء ذلك، وكأنه جاء " لضمان امن اسرائيل " !! والحقيقة المدعومة بالمعطيات ان هدف " المساعدة" والتحالف السياسي العسكري الامريكي – الاسرائيلي هو حماية والدفاع عن المصالح الامبريالية الامريكية – الاسرائيلية في المنطقة، ومواجهة اية مخاطر تواجه تغييرات في الجغراسياسية لهذه المنطقة تؤدي الى الاطاحة بالانظمة الرجعية المتعفنة العربية التي تسجد في محراب التواطؤ وخدمة المصالح الامبريالية ضد شعوبها.
أما اسرائيل الرسمية فانها تستند الى الدعم الامريكي غير المحدود، سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا وعسكريا، لتمارس دور الشرطي الفدعرجي الفاجر باشعال الحروب العدوانية وامتهان حرية وسيادة الشعوب واحتلال اوطانها او اجزاء منها دون وجود رقيب او حسيب يردع جرائمها. فلولا الدعم الامريكي و " الفيتو " الامريكي وشحن اسرائيل باكثر اسلحة القتل والتدمير العصرية الامريكية لما استطاعت اسرائيل العدوان التنكر لحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني المسنود بقرارات الشرعية الدولية، ولما واصلت احتلال المناطق الفلسطينية وهضبة الجولان السورية منذ حوالي ثلاث واربعين سنة والتنكر لحق اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين حسب قرار ( 194 ) للامم المتحدة.
ولهذا، فان ما يتبادر الى الذهن على ضوء توجه الوفد الاسرائيلي برئاسة نتنياهو الى مؤتمر الايباك في واشنطن هو، هل يحمل نتنياهو في جعبته اقتراحات تسر القلب وتشير الى احتمال تحريك عجلة التفاوض الاسرائيلي – الفلسطيني في الطريق القويم وطرح ذلك على المسؤولين الامريكيين والصهيونيين، هل هناك مؤشرات تزيل تشاؤمات الغراب من اجواء هذه المنطقة الجريحة بجرائم المحتل الاسرائيلي النازفة دما من الشرايين الفلسطينية؟
** ألقنبلة المفخّخة :
عندما اُعلن عن اجتماع وزراء خارجية لجنة المبادرة العربية للسلام في مصر، وفي اجواء انكشاف الضباب واتضاح ان الادارة الامريكية بالتنسيق مع الانظمة العربية التي تدور في فلك خدمة الاستراتيجية الامريكية مثل انظمة مصر وقطر والاردن والسعودية، قد نجحت مكابس ضغطها في ضمان تراجع في الموقف الفلسطيني فيما يتعلق بالتمسك في استحقاقات استئناف المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية المباشرة، وخاصة فيما يتعلق بوقف الاستيطان والتهويد في القدس والضفة الغربية وان تكون مرجعية سياسية مجدولة زمنيا لمفاوضات الحل الدائم. فالتراجع الفلسطيني تمثل في الموافقة على اجراء مفاوضات غير مباشرة وتأكيد السلطة الفلسطينية عدم التفريط باي من الثوابت الجوهرية للحقوق الوطنية الفلسطينية، وانه لن يجري الانتقال الى المفاوضات المباشرة دون ضمان وقف جميع اشكال الاستيطان والتهويد. وأكدنا في حينه ان الانتقال الى المحادثات غير المباشرة ليس اكثر من قنبلة مفخخة لا مفر من تفجيرها على ايدي المحتل الاسرائيلي. فهذا النمط من المفاوضات يحرر اسرائيل عمليا من الضغط الدولي والعزلة الدولية وكأنها غير مسؤولة عن التهم التي توجه اليها بارتكاب جرائم حرب، جرائم ضد الانسانية، ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، يحررها من جريمة التطهير العرقي ضد العرب الفلسطينيين في القدس الشرقية وتهويد القدس العربية، كمعلم اساسي ومؤشر لافشال اقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وقد هرول الى المنطقة عدد كبير من المسؤولين الامريكيين للمشاركة في اول " احتفال ملموس " لنجاح سياسة ادارة اوباما بتحريك عجلة التفاوض بين الاسرائيليين والفلسطينيين وفي وقت تغوص فيه هذه الادارة في اوحال مستنقع الفشل والازمة في افغانستان والعراق. ولكن ما حدث يحتاج الى تفكير عميق لادراك المدلول السياسي الحقيقي وراء ما حدث. فاحيانا يجري افتعال مبالغ فيه لازمة ولتناقضات بين مكونات تحالف استراتيجي ما وذلك بهدف التمويه والتضليل على الخصم من خارج التحالف، والايهام ببذل جهود و " تنظيف الطاولة " من الازمة والتناقضات والاتفاق على ما يشبه الصفقة التي تخدم في نهاية المطاف مصلحة طرفي او اطراف التحالف وعلى حساب الانتقاص من حقوق " الخصم ". فما حدث أنه مع هرولة المسؤولين الامريكيين وفي مقدمتهم نائب الرئيس الامريكي جو بايدن الى المنطقة لنقل تباشير موافقة الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني على المحادثات غير المباشرة بمرافقة وعبر الوساطة الامريكية، في هذا الوقت بالذات الذي كان فيه مندوب الادارة الامريكية للتسوية الاسرائيلية – الفلسطينية جورج ميتشيل يسرح ويمرح متنقلا بين القدس الغربية ورام الله ، في هذا الوقت بالذات تسابق المسؤولون الاسرائيليون في الاعلان عن برامج وعطاءات للبناء الاستيطاني، براك اعلن عن بناء ( 210 ) وحدات سكنية، يشاي اعلن عن الف وخمس مئة وحدة، مواصلة تهويد القدس، ونتنياهو ينتقل من قناة تلفزيونية الى اخرى مؤكدا على مواصلة الاستيطان والتهويد في القدس وغيرها. واعتبر بايدن وغيره من المسؤولين الامريكيين ان الاعلان الاسرائيلي يعتبر عاملا تخريبيا لمساعي السلام الامريكية ويعرقل التقدم لاستئناف المفاوضات. ومن تابع تراشق التهجمات في وسائل الاعلام والتصريحات الامريكية والاسرائيلية يتوهم وكأن الصراع هو بين امريكا واسرائيل وليس بين المحتل الاسرائيلي وضحيته الفلسطينية. لقد وصل الامر الى حد ان نتنياهو اتهم اوباما بالعنصرية المتأصلة فيه منذ ايام الجامعة حيث كانا يدرسان معا في نفس الجامعة الامريكية! وبدأت مكابس الضغط توجه الى ادارة اوباما من اللوبي الصهيوني الامريكي ومن الحزب الجمهوري الامريكي ومن المسيحيين الصهيونيين واتهام اوباما بانه ينحاز الى جانب الفلسطينيين، وانه يعمل لاسقاط حكومة نتنياهو، هذه الكذبة التي لجأ الى ترديدها بعض وزراء اليمين المتطرف وغيرهم. وقد جرى " اخماد انفاس " هذا الصراع الكلامي الامريكي – الاسرائيلي داخل دهاليز بيت العائلة الواحدة، " فالمصارين تتخابط في البطن " ولكنها تبقى من حيث مردودها ونتائجها مثل " الضراط على البلاط " وهكذا عادت المياه الى مجاريها بين ادارة اوباما وحكومة نتنياهو اليمينية. فلانزال نتنياهو عن الشجرة ولعدم اغضاب الحليف الامريكي اصدر نتنياهو بيانا يؤكد فيه ان توقيت الاعلان عن الاستيطان بهذا الكم الكبير لم يكن موفقا !! اي ان نتنياهو ليس ضد ارتكاب هذه الجريمة الاستيطانية – التهويدية الجديدة بل اعتبار ان الوقت للاعلان عنها غير مناسب ولم يكن موفقا! كما طالبت وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون من رئيس الحكومة نتنياهو ان يوضح خطيا موقف الحكومة الاسرائيلية من عدة قضايا جوهرية.
ويوم أمس الأول الاحد من هذا الاسبوع وحتى قبل ان يجتمع نتنياهو مع المسؤولين الامريكيين في مؤتمر الايباك المطالب الامريكية الاساسية التي طالبت كلينتون ان يجيب عليها نتنياهو وتسريب هذه الاجابات جاءت للمساهمة في تسهيل استدراج السلطة الفلسطينية والرئيس الفلسطيني محمود عباس وبتأييد الارانب من الانظمة العربية لبدء استئناف المفاوضات غير المباشرة بالرغم من عدم تراجع اسرائيل عن موقفها من القضايا الجوهرية للتسوية. فما هو موقف حكومة نتنياهو بالنسبة للاجوبة على اسئلة كلينتون لتمهيد الطريق امام استئناف المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية غير المباشرة تحت الرعاية الامريكية. وتبرز من خلال الاجابة ثلاث قضايا جرى التركيز عليها من قبل نتنياهو وهي:
*أولا: أنه خلال المفاوضات غير المباشرة فان اسرائيل قد وافقت ( الله يخلف عليها !!. أ. س) يستطيع كل طرف ان يطرح افكارا بالنسبة للقضايا المختلف عليها وطريقة تسويتها، ولكن البحث حول هذه القضايا الجوهرية ( الحدود، مستقبل القدس، المستوطنات، اللاجئون) فإنه يجري بحثها فقط في اطار المحادثات المباشرة. ومن حيث المدلول السياسي فان هذا يعني ان المحتل الاسرائيلي غير ملتزم ابدا بوقف جميع النشاطات الاستيطانية ولا بعملية وقف تهويد القدس الشرقية المحتلة والتطهير العرقي وهدم البيوت العربية في القدس، كما لا تلتزم باية مرجعية سياسية لحدود الحل الدائم. وفي رده وبدعم الطاقم الوزاري المصغر ( طاقم السبعة ) اكد نتنياهو ان القدس لا يشملها تجميد الاستيطان.
*ثانيا: إن البناء الاستيطاني واسع النطاق يتم بالتشاور مع الولايات المتحدة الامريكية وبمراقبة شخصية من نتنياهو بما في ذلك في القدس الشرقية، وعدم نشر العطاءات والعروض في وسائل الاعلام. وتكمن الخطورة هنا ليس فقط بالتستر على جريمة الاستيطان في القدس وباقي مناطق الضفة الغربية، بل محاولة لشرعنتها واكتسابها للمصداقية القانونية في حين ان الامم المتحدة ومختلف هيئات الشرعية الدولية والولايات المتحدة يعتبرون هذا الاستيطان غير شرعي.
*ثالثا: تحرير اسرى فلسطينيين من غياهب سجون الاحتلال الاسرائيلي وازالة العديد من الحواجز ومختلف اشكال معاناة الفلسطينيين كبادرة حسن نية من المحتل وذلك بهدف تقوية مركز الرئيس محمود عباس ضد حماس، وكأن حماس خارج سرب الشعب الفلسطيني وأن الانقسام المأساوي الوطني والاقليمي الفلسطيني وفق حسابات المحتل سيخلد!!
في نهاية الاسبوع المنصرم قدرت هيلاري كلينتون ان اجوبة نتنياهو " عملية وناجحة " وبناء عليه فقد اضاءت الضوء الاخضر للمبعوث الامريكي جورج ميتشيل ان يصل الى المنطقة ( الاحد 21/3/10 ) ليواصل مهمته بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني.
ألسؤال الذي يردده كل فلسطيني، خاصة بعد تجربة مفاوضات " طحن الماء " خلال ست عشرة سنة ولم يتمخض عنها سوى مواصلة الاحتلال ومعاناة الشعب الفلسطيني، هل يرضى الفلسطينيون دخول مفاوضات غير مباشرة غير ملزمة للاحتلال باي شيء، لا في قضية القدس ولا الحدود ولا العودة ولا دولة سيادية قابلة للحياة ؟
برأينا أن الرد على مؤتمر الايباك، وحتى يكون ناجعا وباعثا للتفاؤل، على الفلسطينيين صياغة وبلورة المقاومة الشعبية السياسية السلمية مع الاحتفاظ بحقهم الشرعي في ممارسة اي شكل من اشكال المقاومة للتخلص من المحتل ودنسه الاستيطاني. وقد " نبتت على ألسنتنا شعرة " ونحن نطالب ونؤكد ان محك الوطنية الفلسطينية في هذا الظرف المأساوي من الصراع، يكمن في العمل لتجاوز الانقسام الكارثي واعادة اللحمة الى وحدة الصف الفلسطينية المتمسكة بثوابت الحقوق الوطنية وبمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد وشرعي للشعب الفلسطيني.
أما مؤتمر الايباك في واشنطن فلا نتوقع منه سوى دعم العدوانية الاسرائيلية وتعزيز التحالف الاستراتيجي الامريكي – الاسرائيلي.
