تاريخ العسكرة والاستيطان يُدخلان دولة إسرائيل في متاهات يتوه بين خطوطها أمن الدولة وأمانها ليبقى عباد هذه الديار عبيدًا لن يذوقوا يومًا مذاق الحرية، فالحرية كما نعلم بعيدة المنال في أجواء مشحونة بالكراهية والانقسام.
في كتابه الشهير "الثقافة والامبريالية" يحكي سيد المثقفين الفلسطينيين الراحل ادوارد سعيد ما يلي:
"كانت لي طالبة دكتوراة من أصول هندية.. قرأت في بحثها ان تاريخ الأدب الانجليزي ابتدأ تدريسه في الهند المحتلة من قِبل البريطانيين الأمر الذي لم يحدث في الجامعات البريطانية أو في بلد شكسبير!! هكذا آثر البريطانيون تدريس أدبهم في بلد محتل على تدريسه في دولتهم – دولة الاحتلال!".. ويخلُص مثقفنا الفلسطيني العظيم إلى القول: "هكذا هي دول الاستعمار الساعية لنقل المقموعين من حياة التخلُّف إلى اللاتخلف". أعرف جيدًا طبيعة الخنق والدجل التي ينتجها المستعمرون في دفيئات الاحتلال ولكنني أثناء قراءتي لكلمات ادوارد سعيد أجد نفسي على منصّة أطلق منها هذا السؤال: هل يفعل الإسرائيليون ما فعله البريطانيون عندما سوّقوا شكسبيرهم في القطر الهندي؟ وعلى نفس المنصة يأتيني الجواب: يمارس الإسرائيلي عكس ذلك في تعامله مع الفلسطينيين. يحاول الإسرائيلي تغييب الأدب الفلسطيني وتأثيره على أهله إضافة إلى حجب الأدب العبري التقدمي عن الفلسطينيين.. انهم بهذا يبتغون إبقاء الفلسطيني في ظلام التهميش والاستعباد عَبْر إبعاده عن كل ما هو حضاري.
إن "الاستعمار" الذي يستبدله الإسرائيليون بالاحتلال سيبقى مهيمنًا بكل أشكاله القبيحة في غياب التواصل الأدبي الحضاري بين الشعبين في بلاد التفخيخ والترهيب وإراقة الدماء.
يأتي السلام إلينا عندما يخطو الإسرائيليون والفلسطينيون على دروب المساواة.. عندما يردّد الطالب الإسرائيلي ومعه الفلسطيني كلمات المبدع الفرنسي "ألبير كامو" الذي ولد في مندوفي في الجزائر ونال جائزة نوبل للآداب عام 1957 وعند وفاته كان قد ناهز السابعة والأربعين من العمر:
"لا تَسِرْ أمامي.. قد لا اتبعك..
لا تَسِرْ خلفي.. قد لا أُحسن القيادة..
سِرْ بجانبي وكن صديقي فحسْب.."
