رجـل مـن بـلـدي

single

("أبـو عـودة" -نـاصـر سـلـيـم تَـيِّـم؛  فـي ذكـراه الـدائمة بعـد الأربـعـيـن)


قبل الإخلاد إلى النوم، تصفّحتُ موقع عبلّين فطالعني الخبرُ الناعي: "ناصر سليم تيّم (أبو عودة) في ذمّة الله"... لو كنتُ حينذاك هنا، لتشرّفتُ بالمشاركة في المَوْكب وفي حمْل نعشه فوق المَنْكب!
في السادس من آب، رحل شيخٌ شابٌّ من بلدي، لم يتسنَّ لي أن أشارك في تشييعه. يومذاك، كنّا في جنوب ألمانيا الغربيّ الآسر الساحر، في ضيافة صديقي العبلـّينيّ إبراهيم. في تلك الليلة، لم أتمكّن من النوم إلاّ بعد دقائق طويلة طويلة، والشجن والحنين يملآن القلب، وصورةُ هذا الرجل العزيز الشابّ ابن الثانية والثمانين ماثلةٌ أمامي: صورته المُطِلّة من شاشة الحاسوب، وصورته المألوفة وهو يمارس رياضة المشي اليوميّة بين الشرفة وداخل المنزل.
كلّما كنتُ أرى هذا الرجل، وكلّما تذكّرته الآن بعد غيابه المفاجئ حقًّا، وجدتني أرى أبي أو أتذكّر أبي. كان أبـو عـودة، كلّما التقيتُه، يبادرني بسؤاله المقصود الصادق الحارّ عن طويل العمر أبي: "كِيفْ أبوك، يا حـنّـا؟"... ثمّ يوصيني قائلاً: "دِيرْ بالَكْ على أبوك"... وفي أكثر من مرّة أضاف قوله: "نـُـور كانْ في أيّام المدرسة أشطر واحد في الصفّ. شوف... حياة المعلّم زكـي الـديـب كان يجرّب يقنعو إنّو يْرَفّعو صَفّ"... يا لَلرجال الثقاة الواثقين الأنـقياء! لا يتردّدون في ذِكْر سواهم بالخير، ولا يجدون في تقديم الإطراء لغيرهم مسًّا بهم هم. يا لَعظَمة الرجال الرجال!
أتراني هنا قد أفرطتُ في الحديث عن والدي؟ معذور أنا، يا أبـا عـودة، معذور؛ فأبـو عـودة وأبـو تـومـا في خانة واحدة من خانات ذاكرتي. ليس هذا لأنّك والد أصدقائي فحسب، بل لأنّكما كليكما تمثّلان رعيلاً نحبّ أفرادَه ونُجِلّهم. أنتم الخميرة التي نتبارك بها. أنتم الجذور التي عليها تنمو الجذوع والبراعم والأفنان والأغصان والزهور والبذور. أنتم ذاكرة الأيّام. أنتم ذاكرة النكبة. أنتم ذاكرة الوطن. صديقي سهيل عَزَّ عليه مُضاعَفًا رحيلُك المباغِتُ. أتدري لماذا؟ لقد كنتَ مِن ضمن الذين يودّ أن يُجْري معهم تسجيلاً بالصوت والصورة لذكرياتهم ومعلوماتهم عن عبلّين، كما فعل مع بعض شيوخ هذه البلدة. يا لَهذا الحزن "الأنانيّ"! يا لأنانيّة سهيل المُحِـبّة المستحَـبّة!
خلال زياراتي لأخي (ابنك)، في بيته العامر (كمثل اسمه)، كنتُ أُسَرُّ فائق السرور بحضورك ومجالستك لنا. لا أخفي أنّه من بين أعزّ ممتِعاتي أن أستمع إلى حديث رجلٍ في مثل سنّكَ له ذاكرةٌ لم يتسلّل النسيانُ إليها ولا الخَـلـْطُ ولا التشـوُّشُ، ولا سيّما حين يكون الحديث عن سنوات سبقتْ مولدي. من خلالكم نعيش الماضي. لا نعيشه من قَبيل النسيان للحاضر وللآتي أو إهمالهما، بل نعيشه رغبةً في ترسيخ حضورنا في وطنٍ يريده الجلاّدُ "نظيفًا" منّا -حضورًا وتاريخًا ووجودًا وامتدادًا-. لستُ أنسى حديثك الهادئ المتّزن الواضح المُصارِح عن الأيّام العصيبة: أيّام النكبة وما بعدها؛ أيّام السجن؛ أيّام الحكم العسكريّ؛ أيّام المعاناة والبطولة؛ أيّام مواجهة رؤساء الطوائف الطائفيّين...
كنتُ أستمع إليك وأقول في سرّي: ما شاء الله! ذاكرةٌ مثل الصمغ! إرادةٌ كالفولاذ! لسانٌ مِن صِدْق! قلبٌ مِن حُبّ وذهب!
لستُ أنسى ما أخبرْتَني به عن عدم تردُّدك قبل أكثر من نصف قرن في طرد أحد الكهنة من بيتك، حين اتّضح لك أنّه قد أتى مفترِضًا أنّه سيكون في مستطاعه أن يفرض عليكم فسْخ خِطبة شقيقتكم، لمجرّد كون خطيبها ينتمي إلى طائفة مسيحيّة مغايرة، متسائلاً عمّن أَذِنَ لكم بارتكاب "فعلة" كهذه! أليس من دواعي الخجل والأسى والإحساس بالعار أن يَكون أحدُ أتباعِ ذاك العظيم الذي دعا إلى محبّة الأعداء داعيًا إلى نبذ الأقرباء؟! "أحِبّوا أعداءَكم" -هل تُنسى؟! ترى، ألعلّ ذاك المحترَم كان يفهم الأمورَ على نحوٍ مغلوط مقلوب، ظانًّا أنّ مَحبّتنا لأعدائنا واجبة، وأنّ مَحبّتنا لأبناء شعبنا ممنوعة؟! ألا ليت رجال الدين جميعًا يدفعوننا إلى مَحبّة الإنسان! يكفيهم أجرًا وفخرًا لو يُفلِحون في غرس محبّة الناس في قلوب الناس.
لسنا ننسى الثمن الحياتيّ الذي دفعه أمثالك للدولة الفَتِـيّة التي استشعرتْ فيك وفي غيرك من الفِـتْية العُزَّل خطَرًا، فزَجَّتْ بكم في معتقَلاتها، وكثيرًا ما حرّضت "جماعتها" عليكم.
الأعزّاء لا يغيب ذِكرهم. والكتابة عنهم لا ينبغي لها أن تقترن بموسم دون سِواه، ولا أن تنحصر في مناسبة. قبل إحياء ذكرى الأربعين يُذكَرون، وخلاله، وبعده. يُذكَرون ولا يُرْثَوْن.
الحياة بدون مَن هُمْ كمثلكم، يا أبـا عـودة، منقوصة، إلاّ أنّها مباركة. مبارَكة لأنّكم كنتم فيها؛ بل لأنّكم فيها.
تباركت الحياة...

 


(عـبـلـّيـن)
22/10/2010
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

اليونان تتمرد على القارة العجوز

featured

لا بدّ أن ينتصر تغريد الشيوعية على عواء الرأسمالية

featured

الصفقة الخطيرة والحقيرة

featured

إسرائيل الرسمية وزيارة البابا إلى الناصرة

featured

بين ابن خلدون وفانون – قراءة أولية في الانتفاضة التونسية الأخيرة

featured

من يزرع الريح سيحصد العاصفة!

featured

ما تكشفه وثائق "ويكيليكس السعودية" هو زلزال..

featured

مصلحة سوريا وشعبها أولاً