اليونان تتمرد على القارة العجوز

single

مما لا شك فيه ان الاستفتاء التاريخي الذي جرى في اليونان في الخامس من تموز الجاري يعتبر حدثا تاريخيا له تداعياته، ليس على اليونان وحدها انما ايضا على القارة العجوز "اوروبا" والعالم اجمع.  فقد قال 62% من اليونانيين "لا" لشروط  وقيود الاتحاد الاوروبي، الذي اراد ان يضيف من التقشف في هذا البلد الذي اصابه الانهيار الاقتصادي، خاصة في السنوات الخمس الاخيرة نتيجة لفساد الحكومات اليمينية التي حكمت اليونان وانصاعت لاوامر البنك المركزي الاوروبي، والاجراءات الاقتصادية التي طبقتها تلك الحكومات والتي كانت قاسية جدا بالنسبة للمواطن اليوناني وزادت من معدلات البطالة لتصبح 24% تحت مسمى "خطة الاشفاء الاقتصادية".
وكان لالمانيا دور كبير في هذه الضغوط والاجراءات التي فرضت على اليونان، لان اقتصادها هو المهيمن على الاقتصاد الاوروبي، حتى وصلت الوقاحة بالمسؤولين الالمان انهم طالبوا اليونان بان يبيعوهم بعض الجزر لسداد الديون المستحقة على اليونان. وكان هذا الاستهتار استفزازا للكرامة اليونانية حين يطلبون منها ان تبيع جزرا من ترابها الوطني، لكن الشعب اليوناني العريق بحضارته وإرثه الديمقراطي منذ ديمقراطية أثينا حتى اليوم، كان لا بد له ان يبحث عن الخلاص، فكان ان جاء قبل ستة اشهر وفي انتخابات حرة ديمقراطية بحكومة يسارية، بزعامة قائد شاب لديه الكرامة الوطنية والطموح لتخليص بلاده من اكبر ضائقة تمر بها بلده عبر كل العصور. ولانه مناضل عنيد، وذو افق واسع، كان لا بد ان يرفض الشروط الاوروبية القاسية. ولكي يدعم موقفه التفاوضي والندي اعلن عن استفتاء شعبي، حتى يأخذ تفويضا من شعبه لمواجهة الازمة. وكان له ما اراد لان الغالبية التي قالت "لا" للشروط الاوروبية قالت "نعم" لهذا الشاب ونهجه النضالي، نهج التحدي وعدم الرضوخ. فهذا الشعب ادرك ان من اهداف الشروط الاوروبية كان الاطاحة بالنظام اليساري ومشى خلف زعيمه رغم الارهاب الاقتصادي الذي تعرّض له اليونانيون والذي كان مذلا للكرامة الوطنية.
ويكاد يجمع كافة المحللين والمتابعين للازمة في اليونان ان اوروبا تلقت ضربة معلم من هذا القائد اليساري العنيد، واوضاع الاتحاد الاوروبي ليست افضل من اوضاع اليونان، لان اي خيارات اخرى سيلجأ اليها رئيس الوزراء اليوناني- وهم يعلمون انها مفتوحة امامه- ستساعد على تنامي عدد الدول التي قد تحذو حذو اليونان، وخصوصا تلك التي تعاني من مصاعب اقتصادية خانقة، كالبرتغال واسبانيا وايطاليا. وهو تحدّ كبير امام المانيا وباقي دول الاتحاد الاوروبي. وليس صدفة ان يسارع رئيس روسيا فلاديمير بوتين للاتصال برئيس الوزراء اليوناني، ليعلن له ان روسيا تحترم خيارات الشعب اليوناني، وان هناك آفاقا للتعاون مع روسيا في المجال الاقتصادي. وهذا هو الذي جعل اوروبا تلك القارة العجوز امام مأزق صعب بعد ظهور نتائج الاستفتاء في اليونان، فهم يدركون ان روسيا قادرة على مد يد العون لليونان. كما ان الصين اخذت تستثمر في هذا البلد، وهناك مجموعة  دول البريكس وبامكانها ان تبني جسورا مع اليونان. فالاتحاد الاوروبي بكبريائه وصلفه لم يعد الوحيد القادر على انقاذ اليونان ومد يد العون له.
إن رئيس الوزراء اليوناني وفي قراءة صحيحة للاوضاع  المتغيرة في هذا العالم، كان بامكانه ان يقول "لا" للهيمنة الاقتصادية الاوروبية. وحين تكون الهيمنة الاقتصادية فان الهيمنة السياسية تصبح تحصيل حاصل. ولانهم في اوروبا، وفي المانيا تحديدا، يدركون ان اليونان حين قالت كلمتها كانت جادة، لهذا سمعنا تصريحات لاحد الوزراء الالمان يقول ان بلاده مستعدة لتقديم "مساعدة انسانية" لليونان. وهذا بحد ذاته تراجع عن المكابرة، والاستعلاء التي كانت في السابق..!
ونتيجة الاستفتاء في اليونان لا تعني خروج اليونان من الاتحاد الاوروبي لانها عضو مهم في هذا الاتحاد،  وموقعها مميز، وسيعودون للتفاوض مع الحكومة اليونانية ولكن على اسس جديدة. وسيكون المفاوض اليوناني في موضع القوة، لانه مسلح بارادة شعبية اعطته التفويض من منطلق الندية. واذا فشلت اي مفاوضات جديدة فليس مستبعدا ان تخرج اليونان من منطقة اليورو (العملة الاوروبية الموحدة)، لتعود الى عملتها  السابقة "الدراخما". لكنهم في اوروبا يدركون ان حدوث شيء من هذا القبيل يعني اضطرابا في منطقة البلقان، يصعب التكهن بنتائجه. فهذه المنطقة كانت على الدوام بؤر التوتر الكبرى في اوروبا، ومن هذه البقعة انطلقت الحروب المدمرة. وهي تشبه الى حد كبيرالاوضاع المتفجرة في منطقة الشرق الاوسط.
وعلى اية حال من الاحوال، فان اليونان قد كسرت حواجز كبيرة كان لا بد لها ان تتكسر وتتحطم، فالشعب اليوناني يستحق مزيدا من التقدير والاحترام..!
قد يهمّكم أيضا..
featured

العمود الفقريّ للحياة

featured

سميح الغائب بجسده، الحاضر بيننا

featured

عمق الأزمة وطابع التحالف!

featured

"فكّر بغيرك"

featured

رافضة شجاعة لخدمة الاحتلال

featured

بين المروءة والأمانة

featured

أمور مسيئة للدين الحنيف وللمسلمين