هل جلست على مقعد مرتفع، في باص، بعد طول سفر في سيارة ذات المقاعد المنخفضة. سأقول لك ماذا سترى؟. ستكتشف عالمًا جديدًا لم تشاهده من قبل. فبعد أن كانت عيناك تلتقي بعيون الناس بنظرة متوازية في الأعين، ستشاهدهم الآن من فوق في حركة دائبة، ستشاهد أسطح البيوت، بعد أن كنت تشاهد الشبابيك والأبواب فقط. فقط متر زيادة، ومن الأشجار ستشاهد أغصانها بنظرة أفقية. لا من تحت إلى أعلى. وهو فرق هائل وشعور آخر.
وأنت الذي تعودت أن تستقل سيارتك من عتبة البيت إلى عتبة العمل، جرب أن تسير على قدميك بعد طول سبات. جرب أن تنظر إلى خفايا الرصيف أمام قدميك، وستشاهد نباتات ضعيفة، تخرج، بعكس نواميس الطبيعة، من شقوق الرصيف، خضراء تحاول أن تنجو من مصيرها المحتوم. ربما لم تدرك، من قبل، أن هذه النباتات موجودة بالأصل. وستشاهد قاذورات بالغة الصغر، لم تكن قد لاحظت وجودها من بعيد.
وعندما تقف على المحطة، بعد سنوات من الغياب، في انتظار وصول الباص، ستكتشف أن هنالك أناسًا خارج "أكفاريوم" سيارتك؛ أناس يعيشون حياتهم، بالطول وبالعرض؛ أناس يتحدثون بلغة مختلفة عن هموم أخرى ومشاغل أخرى. وستجد قادمين جددًا وقد احتلوا المقاعد، بينما آخرون الذين بدوا وكأنهم أبديو الحضور، غابوا، أو غُيّبوا، عن هذا المشهد، الروتيني في دورته اليومية ولكنه المثير في دائرة الزمن الواسعة. وآنذاك ستكتشف إنك بصدد عالم آخر؛ عالم أضعته منذ زمن طويل.
العالم هو نفس العالم. ولكنك، هذه المرة، تشاهده من موقع آخر- من زاوية أخرى. فلماذا لا نغيّر، من حين لآخر، زاوية الرؤيا، لتصبح حياتنا غنية أكثر وربما إنسانية أكثر.
جرب أن تكون طفلاً في أيام زمان، حينما يصرخ بك صوت جهوري لأحد الكبار المخيفين، أن تخرج من الديوان، لأن مكانك هو في الخارج.
جرب أن تكون امرأة في عرس، وقد فرض عليك أن تتناول الغذاء، أسوة ببنات جنسك، فقط بعد أن ينهي الرجال وجبتهم وقهوتهم ومحلياتهم.
جرب أن تكون عاجزاً، لا تملك القدرة على أخذ نصيبك من الطعام تنتظر فاعل خير كي يقرب الصحن من فمك.
جرب أن تكون أما لخمس بنات، وهي تنتظر مولودها السادس، فيطل نسخة طبق الأصل للخمس السابقات. جرب أن تكون هذه الأم حينما يحضر المهنئون!! وجرب أن تعيش عمر هذه الطفلة، على طول السنين، والشعور الممض يغمرك أن حضورك كان غلط بغلط.
جرب أن تكون طفلا ليس باستطاعته أن يجلس على قفاه، لأنه مصاب باضطراب في التركيز أو الإصغاء، وكل غضب الأهل والهيئة التدريسية الموقرة نازل عليك، لأنك خُلقت كذلك.
جرّب أن تكون قطة، تهرب كلما أطل إنسان مقتحمًا منطقتك. وجرّب أن تكون تلك القطة وقد دفعها الجوع لتُدخل رأسها في كيس نقارش، فعلق رأسها في الكيس، وانتفضت بهلع، لفوق ولتحت، لليمين واليسار. نهاية العالم، بالنسبة لها، قد دنت. فيأتي طفل، من غامض علم الله، ليرفع الكيس.. وكأن حبل المشنقة قد انقطع في اللحظة الأخيرة.
ماذا يمكن القول؟ سوى أن كمية الحزن في هذا العالم هائلة، وهي تكفي لأن تغطي قشرة الكرة الأرضية بغلاف سميك. وعندما تنمو بذرة الوعي لحال الآخرين قد يصعقنا الأمر في البداية، ولكنها الطريق، الذي لا بد منه، لجعل عالمنا إنسانيًا أكثر.
أخرج من دائرة جهلك السعيدة. "فكر بغيرك"، وصية محمود درويش، وسيكون العالم، من حولك، أجمل وأسعد.
