*هناك معارضة شريفة ووطنيَّة تريد الخير والإصلاح والصَّلاح لبلدها... وهناك معارضة مرتزِقة من الخراب والدَّمار ومرتَزَقة على سقوط الوطن!*
يقول الأديب الايرلنديُّ الشَّهير جورج برنارد شو: إنَّ أكثر شيء يدعو للسُّخرية هو وجود تمثال الحرِّيَّة في الولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة. فالحرِّيَّة معدومة في غالبيَّة الدُّول التي تحوم في فلكها، إن لم تكن جميعها، فهذه حقيقة لا لُبس فيها ولا يستطيع أحد إخفاءها، كما لا يُمكننا أن نغطِّي نور الشَّمس السَّاطع بغربال، لأنَّ من لا يستطيع رؤية الحقيقة، الشَّمس، من الغربال يكون "أعمى بعيون أمريكيَّة".
تقود اليوم الدُّول الاستعماريَّة/الإمبرياليَّة وعلى رأسها الولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة (مِحراك الشَّر ورأس الأفعى) حربًا إجراميَّة على القطر العربيِّ السُّوريِّ، على عدَّة صُعد ومحاور، باسم نشر التَّطوُّر والحرِّيَّة والدِّيمقراطيَّة والسَّلام، بعد أن فشِلت، في جميع مخطَّطاتها ومخطَّطات حلفائها الأوروبيِّين وحلفائها في المِنطَقة، فشلاً ذريعًا بعد أن كان النَّصر حليف الشُّعوب في مقاومتها للاحتلال.
إنَّ الحرِّيَّة والدِّيمقراطيَّة براء من رعونة الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وحلفائها من عرب وعجم، كبراءة الوالي بيلاطس البنطي من دمِ البارِّ، بعد أن "غسل يديْهِ قُدَّام الجمع قائلاً: إنِّي بريء من دم هذا البارِّ! أبصروا أنتم" وتركه دون أن يُصدرَ قراره بصلبه، وتركهم لغيِّهم وتركه وحده واستمرُّوا في ساديَّتهم وعتيهم واستكبارهم وظلمهم وحقدهم وغطرستهم، فرجموا وعذَّبوا وصلبوا وقتلوا هذا البريء، الذي أراد أن يبني لأمَّته صرحًا صالحًا وسليمًا، لا ظالم فيه ولا مظلوم..
تشدُّ حكومات هذه الدُّول أطواقها على عنق سوريا، وفي عدَّة محاور جاهدةً بذلك أن يكون كلُّ طوق محكَمَ الإقفال، لا رجعة فيه، لقطع حبل الوريد السُّوريِّ وخنق مجرى التَّنفُّس عليه، لترتاح وأصدقاؤها من "الهمِّ السُّوريِّ القابض والرَّابض على قلوبهم وأرواحهم والمهدِّد لمصالحهم الاحتلاليَّة" أو لنقل لترتاح من الموقف المقاوم والملتزِم والدَّاعم للحقِّ العربيِّ المشروع والمناهض للامبرياليَّة، يريدون أن يرتاحوا من "الكابوس السُّوريّ" الذي يؤرقهم..
يشدُّون أطواقهم حول نحر سوريا بعدَّة دوائر، لنحرِها، الطَّوق الأوَّل هو الطَّوق العالمي المتمثِّل بالدُّول الاستعماريَّة والامبرياليَّة، الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، بريطانيا -التي غابت عن أراضيها الشَّمس- وفرنسا وإيطاليا. هذه الدُّول تعيث في الأرض فسادًا وخرابًا وإرهابًا وقتلاً وفوضى، تسونامي، حيث شاهدنا بأمِّ أعيننا كيف تنتزع حرِّيَة الآخرين من الهنود الحمر، سكَّان القارَّة الأمريكيَّة الأصليِّين، ومواطنيها من ذوي لون البشرة السَّوداء، ورأينا "حرِّيَّتهم" في اليابان، الفيتنام، كوبا، تشيلي، جنوب أفريقيا، الصُّومال، العراق، أفغانستان، لبنان، البحرين، في سجن "أبو غريب" و"غوانتنامو" وفي دعمها لانتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين وسرقة أرضه من نهرها لبحرها والقائمة تطول وتطول.
الطَّوق الثَّاني هو طوق "الأشقَّاء" الذين يحكمون وطننا العربيّ، الممتدَّ من الخليج إلى المحيط، بالحديد والنَّار، ويتشدَّقون بالحرِّيَّة وهم بعيدون عنها بُعد الأرض عن الأجرام السَّماويَّة أو يزيد، من إكراه في الدِّين وتكفير ومصادرة أبسط حقوق الانسان..والطَّوق الثَّالث هو الطَّوق الدَّاخلي، من داخل سوريا، حيث يشدُّونه بإحكام ليكون "كونترا" مع الخارج، كالمكبس، لتضييق الخِناق على سوريا ومنعها من أيِّ تقدُّم أو حركة، وذلك بُغية تمزيق أحشاء الجسد وإفراغه من محتواه، أمّا الطَّامة الكُبرى فهي "ظلم ذوي القربى" من معارضة وطنيَّة داخليَّة، في سوريا، ومن أحرار وطننا العربيِّ الذين فاتتهم قراءة الخارطة السِّياسيَّة، ولم يقرأوا جيِّدًا أحداثَ العراق وتونس ومصر وليبيا واليمن..
يريدون العبث بالوطن السُّوري ويريدونه أن يكون في أحضان حكَّام الكويت والبحرين وتركيَّا وتحت كنف مدنِّس ارض الحجاز الشَّريف، حرامي الحرمين الشَّريفين، أضِف إلى ذلك الأجنحة الصَّهيونيَّة.
هناك معارضة شريفة ووطنيَّة تريد الخير والإصلاح والصَّلاح لبلدها، تحت سقف الوطن السُّوريِّ وقيادته الوطنيَّة والقوميّة والعروبيَّة، وهذا أمر صحِّيٌّ ومشروع، للبلاد وللقيادة وللشّعب أحفاد خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، الذي تابع بطولاته وإقدامه وفتوحاته ودفاعه عن الإسلام حتَّى بعد أن نحَّاه الخليفة عمر بن الخطَّاب عن قيادة جيش المسلمين حين قال مقولته الشَّهيرة: أنا لا أقاتل في سبيل عمر بل أقاتل في سبيل الله"، وهناك معارضة مرتزِقة من هذا الخراب والدَّمار ومرتَزَقة على سقوط الوطن الأبيِّ في أحضان الطَّاغوت حتَّى لو كان ذلك على حساب أثداء أمَّهاتهم ومرضعاتهم، وهؤلاء هم من أحفاد مسيلمة الكذَّاب، الذين يدَّعون البديل لهذه القيادة الشَّريفة..
السِّيادة في الدَّولة المستقلة هي ملك للشَّعب الذي تعلَّم وتربَّى على حبِّ الوطن والعروبة والمقاومة والممانعة وعزَّة النفس والإباء والشَّرف ولا يتنازل عنها مهما كانت التَّضحيات وأنَّ الشعب فقط هو من يمنح الحاكم شرعيَّته أو يمنع عن الحاكم كلَّ صلاحيَّة ويسقطها منه وعنه.
ومن هنا رأينا قبل أيَّام المظاهرة الملايينية للشَّباب السُّوريِّ الواعي والمُثقَّف حين تظاهروا في ساحة الأمويِّين تحت شعار مظاهرة "الوفاء للوطن" و"بصمة شباب
سوريا" حيث رأوا أنَّ المؤامرة الامبرياليَّة الصَّهيونيَّة والرَّجعيَّة العربيَّة على وطنهم كبيرة جدًّا..
ورأوا كذلك عُهر "العالم الحرِّ" على بلدهم، فهل تعني حرِّيَّة الوطن التَّدخُّلَ في شأنه الدَّاخلي ونشر الفوضى وتسليح المعارضة والإجرام والقتل فيه، "فكيف هالحكي بيصير" أن يتدخَّل السَّفيران، الأمريكيّ والفرنسيّ، بمجريات المظاهرة في حماة التي نظَّمتها المعارضة، قبل أسابيع، إنَّ هذا التَّدخُّل الأجنبيّ في أمور داخليَّة سوريَّة هو تدخُّل سافر وسافل وخسيس وحقير، أرادا منه شدَّ ظهر المعارضة لكسر شوكة سوريَّا وشعبها الصَّامد والعبث بمقدَّراتها..
على السَّفير، كلِّ سفير مهما كانت عظمة دولته كبيرة، أن يحترم قوانين الدَّولة التي يمثِّل بلده فيها، وأن لا يتدخَّل بشؤون الدَّولة الدَّاخليَّة والمعتمد لديها، لأنَّ وجود السَّفيرين في قلب مظاهرة حماة تشكِّل خطرًا عليهما بشكلٍ شخصيٍّ ويمكن أن يهدِّد العلاقة بين الدَّولة التي يمثِّلها والمُعتمد بها، إن لم تستطع حمايته (في حماة)، بعد أن دخلها دون أن يطلب إذن الدَّولة المضيفة، لأنَّه عليها أن تؤمِّن حمايته وأمنه وحرِّيَّة حركته، شريطة أن لا يسيء لمصالح الدَّولة المُعتمد فيها، فبأيِّ أعرافٍ دوليَّة يتحدَّثون..
إنَّها أعراف الغاب والعُنجهيَّة الامبرياليَّة وتماديها وكأنَّها الآمر النَّاهي والقهَّار وكأنَّها ربُّ هذا العالم..خاصَّةً بعد سقوط الحصن السُّوفييتي الذي دعم وسند ظهرنا لعشرات السنين..
برأيي أنَّه على المعارضة الوطنيَّة السُّوريَّة أن تعي حجم المؤامرة، لأنَّها ليست كتلك التي مرَّت على وطننا العربيِّ أو على سوريا تحديدًا، إنَّها أُمُّ المؤامرات
الامبرياليَّة، ولم يرَ وطننا مؤامرة كهذه، حيث تسعى لبناء شرق أوسط جديد يقبل إملاءات أمريكا وأعوانها ويقبل لاءات إسرائيل، شرق أوسط يكون سوق رقٍّ لهم وسوقًا لسلعهم، حتَّى لا يقوم لوطننا العربيِّ بعدها، قائمة. وهنا أناشد المعارضة الوطنيَّة الوقوف مع القيادة السُّوريَّة وتحت سقفها وسقف رئيسها لدعم الإصلاح فغير ذلك تكون الضَّربة على الرأس قاتلةً "وشو النَّفع بعد ما يطُبّ الفاس في الراس"، وأن لا تقف في خندق أعداء الشَّعوب العربيِّة..
هذه المعارضة التي أفشلت مؤتمر المعارضة في استانبول بسبب وجود مرتزقة للغرب، أمثال خدَّامهم العبد، لأنَّهم لا يرون من حلٍّ للنُّهوض بسوريا ألا بقطع رأس الأسد، وهذه "كبيرة عليهم"، فسوريا عصيَّة على السُّقوط بتراصِّ صفوفها، وعصيَّة على المؤامرات والفضائيَّات العميلة بإعلامها النَّشيط والشَّفَّاف وعصيَّة
على الأعداء.
وأملي كبير بهذا الشَّعب العريق، أحفاد رجال العزِّ والكبرياء والوفاء والإباء، أحفاد صلاح الدِّين ويوسف العظمة والشَّيخ سلطان باشا الأطرش وصالح العلي وابراهيم هنانو وقائمة أبطال سوريا وبلاد الشَّام الأمجاد طويلة طويلة.
سوريا حاضنة شعبنا الفلسطيني، منذ التَّشريد، حيث يعيش هناك تحت كنفها
ويتمتَّع بكامل حقوقه كعربيٍّ فلسطينيٍّ، الأمر الذي لا نجده بأي قطر عربيٍّ آخر.
سوريا حاضنة المقاومة في لبنان وفي فلسطين.
سوريا قائدة الإصلاح والتَّطوُّر..
وعن فيحائها قال شاعرنا المناضل أبو عايدة، داود تركي:
هِبَةُ السَّماءِ طَبيعَةٌ فَتَّانَةٌ
لَنْ يَسْتَوِيها مارِقٌ مُسْتَشْرِقُ
دُومِي عَلَى الخلْقِ القَوِيمِ كَبِيرةً
يَحْرُسْكِ بِالشِّيَمِ العِظامِ تَخَلُّقُ
وستمرُّ الأزمة على سوريا بحكمة قيادتها ووعي شعبها ودعم أحرار العالم وستبقى سوريا بخير..
