أن تحصل فلسطين على موافقة ودعم 138 دولة لإقرار عضويتها المراقبة لدى الأمم المتحدة في مواجهة جبهة إسرائيلية أميركية من تسع دول، يعكس إيمان وتقدير شعوب العالم وبلدانها، لعدالة القضية الفلسطينية ومشروعية مطالبها وحسن إدارة قيادتها، ومع ذلك وعلى الرغم من ضعف الإمكانات الفلسطينية وفي ظل موازين قوى "طابشة" لمصلحة العدو، وفي ظل تفوق إسرائيلي ملموس، يهزم الفلسطينيون بإمكاناتهم المتواضعة، التحالف الأميركي الإسرائيلي، بامتياز.
خطوة تعديل التمثيل الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، وتقدمه خطوة إلى الأمام يعكس الملاحظات التالية:
أولا: شجاعة الرئيس أبو مازن ورفاقه في الإقدام على الخطوة رغم التهديدات والوعيد والضغوط الإسرائيلية الأميركية.
ثانيا: تأخير الخطوة منذ زمن طويل، يعكس خوف وقلق القيادة الفلسطينية، من عهد الرئيس الراحل أبو عمار وطوال فترة الرئيس أبو مازن، مما يؤكد استجابتهم للضغوط، وصبرهم على الوعود، حتى وصلوا إلى طريق مسدود، ولم يعد أمامهم وسيلة سوى الاعتماد على أنفسهم وعلى الفرص المتاحة أمامهم، وكذلك على عدالة قضيتهم وتفهم دول وشعوب العالم للمطلب الفلسطيني والتعاطف معه وتأييده، وبنفس القوة والصلابة رفض الأغلبية الساحقة من دول العالم للمنطق الإسرائيلي وسياسات مشروعها التوسعي العدواني الاستعماري المحمي بقوة الولايات المتحدة وجبروتها السياسي والاقتصادي والأمني والدبلوماسي.
ثالثا: ثلاث دول دائمة العضوية من مجلس الأمن كانت مع القرار هي روسيا والصين وفرنسا، وامتنعت بريطانيا، وكانت الولايات المتحدة وحدها ضد القرار، مما يعكس قوة الجبهة الأممية المؤيدة للشعب الفلسطيني ولسياسات منظمة التحرير.
وأن تؤيد دول أوروبية معتبرة مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والنرويج والدنمارك وسويسرا فهذا له مدلول سياسي إيجابي في تفهم المطالب الفلسطينية إلى الحد الذي قسّم وحدة أوروبا لتكون لديها ثلاثة مواقف معلنة مع وضد وامتناع.
رابعا: وهذا كله يعني بشكل واضح أن الرهان على الآخرين رهان خاسر، فلا المجموعة العربية ولا الإسلامية ولا الأوروبية ولا قوة الولايات المتحدة تعني شيئا وليس لهم قيمة إذا لم يبادر الفلسطيني نفسه ويصنع كرة الثلج الصغيرة المتدحرجة، حتى تكبر وتصبح قرارا جماعيا، ففلسطين هي الأساس ومن ثم العرب وبعدهم المسلمون فأوروبا وهكذا.
ولذلك كل خطوة تقصير يتحمل مسؤوليتها مطبخ صنع القرار الفلسطيني، وكل خطوة تتقدم بها الدبلوماسية الفلسطينية تعكس شجاعة وحكمة اتخاذ القرار، وتجد الكل الفلسطيني يقف معها وإلى جانبها حتى ولو كان لديه بعض التحفظات عليها، فها هي حماس والجهاد تعلنان الوقوف مع الخطوة، رغم أية تحفظات لهما عليها.
الدرس القوي الذي يجب أن يتعلمه الشعب الفلسطيني أنه صاحب القرار، وأنه وحده القادر على تحريك الجمود السياسي، وفتح الثغرات في الجدارات المسدودة، وأنه وحده القادر على توجيه الضربات الموجعة سياسيا وأخلاقيا ودبلوماسيا لإسرائيل المتفوقة.
الاعتماد على الذات هو الأساس، ومن ثم يتم وضع جدولة نيل الدعم من الأشقاء والأصدقاء ومحبي السلام والعدالة في العالم، والكارهين للظلم والاستعمار والعنصرية المجسدة بالمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، كُثر، والتصويت لصالح فلسطين يعكس ذلك بوضوح بالغ.
الانتصار السياسي والدبلوماسي الذي حققته منظمة التحرير يوم 29/11/2012، ليس خطوة عظيمة سيكون في أعقابها التحرير، أو نيل الحرية والاستقلال، ولكنها أيضا ليست خطوة وضيعة لا قيمة لها، بل هي خطوة إضافية تراكمية على الطريق الطويل، طريق استعادة الشعب الفلسطيني لكامل حقوقه غير المنقوصة وغير القابلة للتبديد أو المساومة أو الإنهاء، حقه في المساواة في 48، وحقه في الاستقلال في 67، وحقه في العودة للاجئين، وفق قرارات الأمم المتحدة، ولذلك يجب التذكير دائما أن الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير والمجلس الوطني اتخذوا قرارا استراتيجيا حكيما عام 1974 لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني عبر العمل التدريجي التراكمي متعدد الخطوات والمراحل، حيث لا تسمح لا موازين القوى بين الفلسطينيين والإسرائيليين ولا المجتمع الدولي يسمح بتحقيق الانتصار الكامل للفلسطينيين أو الهزيمة القاتلة للإسرائيليين، ومن هنا قيمة النضال التراكمي المتواصل، متعدد الأوجه والأدوات والأساليب المشروعة التي يقبل بها المجتمع الدولي والقيم الدولية، على طريق انتصار العدالة للفلسطينيين والهزيمة للمستعمرين الإسرائيليين.
ما تحقق خطوة نوعية ونقلة سياسية، لها ما بعدها من خطوات متواصلة تراكمية، لجعل إسرائيل ومشروعها الاستعماري مطاردا من العدالة ومنظمات الأمم المتحدة، ومن القيم الإنسانية، وهذا يحتاج لنضال فلسطيني متواصل، وصبر فلسطيني قوي يتسم بالشجاعة على الصبر وليس على رداحة القول المتطرف المؤذي، بلا ضوابط سياسية أو قانونية غير مفيدة.
