عن المَفضوحْ في قتلِ المـَبحوحْ!

single

//بداية: "جريمة قتل في قطار (فندق؟ هـ.ع.) الشرق" الفاخر

تسـردُ الكاتبة أجاثا كريستي في قصّة مثيرة عنوانها: "جريمة قتل في قطار الشرق السريع"               (Murder on the Orient Express) أحداث قصة قتل تجري وقائعها داخل قطار الشرق الفاخر السريع الذي انطلق من محطته الأولى استانبول في تركيا (في الشرق) إلى آخرِ محطّة له في كينجز-كروس في لندن (في الغرب).
في احدى ليالي الشتاء البارد والقطارُ يشـقُّ عـباب الليلِ, يـُقتل مليونير إنجليزي متقدم بالسنّ بطعنات خنجر عديدة متتالية, وغريبة للغاية. الطعنة الأولى كانت عميقة جدا, وأخرى كانت خدش بسيط, وطعنة أخرى  متوسّطة العمق وهكذا تختلف بقيـّة الطعنات الأخرى بعضها عن بعض. وعندما أفاق الضابط المسؤول في القطار, من نومه لم يفهمُ كيف يبدأ حتى بحلّ طلاسم لغز جريمة قتل العجوز الغنيّ؟ إلى أن أتاه أحدُ المسافرين المشهورين, هو المحقّق البلجيكي الشهير "هيركيول بوارو" فاُستطاع بعد سلسلة متتالية سريعة ومذهلة من التحقيقات الذكيّة والمعقّدة, التوصّل إلى نتيجة مفاجئة مفادها, أن الأحدَ عشرَ مسافرين في مقطورة القطار في الدرجة الأولى (First Class) نفـّذوا بالتنسيق معا, كل واحد في دوره, عملية قتل العجوز! كل مسافرٌ ومسافرة في المقطورة الفاخرة, دخل وحده في وقت محدد ليلة الجريمة غرفة نوم الضحية العجوز، وطعنهُ طعنة واحدة (أولها كانت الطعنة القاتلة). فتلك امرأة كانت طعنتها خفيفة, وذاك شاب رياضيّ مفتول العضلات بعدها كانت طعنته عميقة وهكذا. وقد كان هدف المتآمرين القتلة ذرّ الرماد في عيون المحقّقين لتمويه ساعة الموت الأكيدة, وبلبلة المحققين في هويّة الجاني إذ أنّ كل واحد منهم كان يملك ذريعة "اثبات الغيب" Alibi في وقت ما من تلك الليلة السوداء. وأمّا دوافع قتل هؤلاء القتلة "المنظّمين" كانت كلها تدور حولَ كون المقتولِ غنيا جدا وبخيلا, وأنه قد خدع خادمه الشخصي  بعد أن غيّر وصيّته, وخدع شابا يعمل معه بمعاش منقوص جدا, وغيّر وصيّته ليحرم زوجته الشابّة من الميراث, وهكذا حدث مع بقيّة طاعني السكين في جسد الرجل العجوز.
وبعد أكثر من نصف قرن من نشر هذه الرواية المثيرة, (التي صوّرت فيلما أيضا) لم أكن أتصوّر أنّ المقولة الشهيرة التي تدّعي: "إنّ الواقع يفوقُ أحيانا الخيال الأدبي!", تتحقّق عندما نسمع ونشاهد خبر جريمة نكراء قذرة تنظـّمها دولة "قانون" كاملة ضد مواطن أعزل, أتى قاتلوه الكثر كلهم من مدن الغرب لكي يقتلوا شخصا واحدا هو محمود المبحوح في غرفة فندق فاخر في شرقنا العربي في دويلة صغيرة مسالمة هي دويلة دُبي العربيّة!

 

// تفاصيل الجريمة النكراء العجيبة, في فندق الشرق الفاخر.


محمود المبحوح قـُتل (وهو متواجد داخل غرفته في فندق خليجي, وليس في ساحة القتال!!) بواسطة سم خفيّ, اجتمع 11 شخصا, من رجال وامرأة, من أربع "جنسيّات" مختلفة من أجل تسريبه في جسمه عن طريق "جرعة" قاتلة من السم داخل أذنه, لتظهر من بعده آثار "جلطة" قلبيّـة داخل جسد القتيل! وبعد تنفيذ جـريمة القتل "الذكيّة" هذه يظهرُ رئيس الموساد مئير داجان على شاشات التلفزيون الإسرائيلي وهو يبتسم ابتسامة غامضة, كمن يقول للمشاهد :"إنّ هذه العمليّة من نتاجي!" لم تدمْ ابتسامة داجان الصفراء كثيرا, تماما كما لم تدم الابتسامات على أوجه مسافري مقطورة قطار الشرق السريع, حتّى تحولّت ابتسامته سريعا, إلى إمارات من القلق وحتى الخوف, من جرّاء مقالات عديدة في صحف إسرائيلية متنوّعة تطالبُ باستقالته أو بإقالته!! فداجان تحوّل سريعا إلى رئيس مواساد مدجّن بائس! كيف حصل هذا التحوّل الكبير في فترة قصيرة من الزمن؟ من هم الأشخاص الذين يعود لهم الفضل في هذا التحوّل الجذري في حبكة القصّة الحقيقيّة التي نحن بصددها هنا؟

 

//مجريات عمليات التحقيق الحثيثة:


كان أمام فريق التحقيق العربي الصغير في دُبي مهمّة شبه مستحيلة تشبه المهمّات التي كان يقوم بها هرقل الميثولوجي اليوناني:  لم يكن سبب موت المبـْحوح واضحا تماما, وكان الملفُّ على وشك أن يغلق بسبب موت "طبيعي" بالجلطة. ولكنّ صور الفيديو أمام غرفة الرجل الأعزل الميّت, بيّنت أن امرأة كانت تراقبُ عن كثب غرفته, ومن بعدها دخل الغرفة أربعة أشخاص غرباء نفّذوا عمليّة القتل عند دخول الضحيّة غرفته غرفة رقم 230. وهنا ابتدأت عمليّة تحقيق بوليسية دامت شهرا كاملا تقريبا, لا شكّ أنّ مجرياتها ستدّرَّس في كليات الشرطة المتقدّمة في أنحاء العالم بأسره.
1. تناول المحقّقون في دُبي كل صور الفيديو, المشوشّة أحيانا, من كل كاميرا كانت تعمل في الفندق. ولكن مما صعّب عملية التحقيق كان: "إتّباع المتهمين مجموعة من وسائل المراوغة والتضليل والتنكر المختلفة مثل استخدام الشعر المـُستعار وأغطية الرأس والتخفي في أزياء متنوعة ما بين رسمية ورياضية لإخفاء وتغيير هيئتهم الأصلية. إلا أن تلك الأساليب لم تفلحْ في خداع الحسّ الأمني المرهف والكفاءة المهنية العالية التي تتمتع بها الأجهزة الأمنية في دبي." على حدّ تعبير قائد شرطة دُبي. وهذا أمر صحيح للغاية.
2. قام المحققون العرب الأذكياء والأكفّاء بعدها بتشغيل برنامج حاسوبيّ معقّد, لتشخيص الوجوه             (Face-Recognition) الذي يعمل وفق ألجوريثم حاسوبي, نـُشر في المجلات العلميّة, ابتكره باحثان من معهد .... التخنيون.. في حواسيب متناهية السرعة, (والتي افترضت إسرائيل خطأ أنّ دبي الصغيرة, لا تملكها!). إنّ هذه البرامج تقارن الوجوه التي ظهرت متورّطة في مراقبة مكان الجريمة أو في مكان الجريمة نفسه, مع وجه كل مسافر دخل البلاد خلال الأسابيع الماضية  (ويصل عدد القادمين إلى دُبي, الآلاف من وجوهِ المسافرين!)
3. وكانت نتائجُ البحث الحثيث, ومقارنة الوجوه وتشخيصها الدقيقة, مذهلة للغاية. (فاقت بكثير خيال أحداث القتل في قطار الشرق السريع, تعقيدا). لقد وصل الجناة من ثلاثة مطارات أوروبيّة مختلفة, يحملون جوازات سفر متنوعة: ستة منها جوازات بريطانيّة, ثلاثة جوازات سفر إيرلنديّة, جواز سفر فرنسي وآخر جواز سفر ألماني .قضى الجـُناة معا في دُبي مدّة 24 ساعة فقط (بينما في قطار الشرق السريع استغرقت الجريمة وعمليّة التحقيق من بعدها ليال عديدة). وهنا نصل إلى قراءة وصف قائد الشرطة في دبي الدقيق والشيّق التالي:-
"رغماً عن السرعة الخاطفة التي نُفذت بها الجريمة والتي لم تستغرق أكثر من 20 دقيقة منذ لحظة دخول المجني عليه (المبحوح) إلى الفندق حتى مغادرة الجناة موقع الجريمة قبل توجههم مباشرة إلى المطار، فإن شرطة دبي نجحت في جمع قرائن مهمة في مقدمتها أشرطة المراقبة التلفزيونية التي تم من خلالها رصد تحركات المتهمين منذ لحظة وصولهم إلى دبي لحين مغادرتهم البلاد، بما في ذلك تحركاتهم داخل الفندق الذي وقعت فيه جريمة القتل، وكذلك كافة المواقع الأخرى التي تنقّـل بينها المتهمون, وضمت عدداً من الأماكن التي نزلوا عليها أو اجتمعوا فيها إمعانا في التضليل والتخفي خلال فترة تواجدهم في دبي والتي لم تتجاوز 24 ساعة."
إن كمية المعلومات المرئية (من ملفّات فيديو كثيرة جدا) التي كان على طاقم الشرطة الصغير فحصها وتمحيصها هي كميّة هائلة جدا من المعلومات, ولولا الحواسيب القويّة للغاية, لغرقت شرطة دبي في بحر من المعلومات, ولمّا تنهي مهمّة التحقيق الهامة بعد, بهذه السرعة الهائلة. كما أنّ الجناة حاولوا بكل الوسائل والسبل, تصوير قتل المبحوح كأنّه "موت طبيعي".
يسرد موقع شرطة دبي علينا الوقائع المذهلة التالية
"أظهرت التحقيقات أن الجناة حرصوا على ترتيب كافة مقتنيات الغرفة لكي تبدو في صورة طبيعية بهدف إزالة جميع الآثار التي قد تدل على وقوع مقاومة من قِبل القتيل ولتضليل الجهات الأمنية وتحويل انتباههم عن أي شبهة جنائية وراء وفاة محمود المبحوح, حيث عمد الجناة أيضاً إلى إغلاق سلسلة الأمان الخاصة بباب الغرفة من الداخل إمعاناً في الإيحاء بأن الوفاة تمت بصورة طبيعية."
ويكمل الموقع الدقيق فيسرد:-
"وقد سارع جميع المتهمين بالفرار من الفندق عقب إتمام الجريمة مباشرة، حيث لم يستغرقهم أكثر من 10 دقائق للمغادرة، بينما توجهوا على الفور إلى مطار دبي واستقلوا رحلات طيران مختلفة متوجهين إلى عدد من المدن الأوروبية والآسيوية، وفقا لما أظهرته تسجيلات المراقبة التلفزيونية الخاصة بالمطار."
( أنظروا الرابط: http://www.dubaipolice.gov.ae/dp/news/news_show.jsp?Id=857381988&ArticalType=1)

 

يقول مثلنا العربي: "تعدّدت الأسباب والموت واحد", في محاولة فلسفيّة للشاعر في أن يخفّف من وطأة الموت على أهل الفقيد, ولكن السؤال الذي كان مطروحا أمام الشرطة في دبي في هذه المرحلة المتقدّمة من تحقيق موت واحد هو: هل كانت كل دوافع جريمة قتل المبحوح من قبل 11 قاتل وقاتلة, هي في الواقع دافع واحد ووحيد؟ وإذا كانت الإجابة على السؤال السابق إيجابيّة فما هي طبيعة هذا الدافع: سياسيّة إجرامية؟
وهنا نأتي إلى بيت القصيد الموجود بين ثنايا تفاصيل الجريمة "الغامضة":-  الدافع كان سياسيا محض! دولة ذات شرعيّة تنتمي إلى الأمم المتّحدة (أقيمت أصلا بفضل تصويت أغلبيّة دول الأمم  المتحّدة), تنتحلُ عمدا مع سبق الإصرار والترصّد, شخصيّات مواطنيها دون إبلاغهم! (إذ أن كل جوازات السفر كانت لمواطنين إسرائيليين يحملون هويّة-مزدوجة) لكي ترتكب جريمة قتل في دولة عربية مسلمة ومُسالمة وبعيدة, لا تقيم معها علاقات دبلوماسيّة اصلا, وبهذا تكون قد خرقت سيادة هذه الدولة الصغيرة المسالمة التي هي أيضا عضوة في الأمم المتحدة. (أمّا عندما احتلّ العراق الكويت قامت الـدُنيا ولم تقعد لأنّ العراق استباح أمن دولة معترف بها من الأمم المتّحدة, فكانت حرب العراق الأولى المدمّرة!). إنّ هذه الدولة التي نفـّذّت الجريمة, بقرار من رئيس حكومتها المنتخب نتنياهو, قدّمت على جريمة قتل المبحوح قرابين كبيرة من المخاطرة الجديّة بحياة كل الشخصيات المنتحلة والحقيقية من بين مواطنيها هي نفسها! إنّ هذه الدولة تشكّل خطرا على ... مواطنيها هي, ناهيك على حياة المواطنين الفلسطينيين!!
هل تستطيع هذه الدولة أن تدّعي أنها دولة قانون أصلا, لكي تحكم على مواطن فلسطين, تستضيفه دولة عربية, بالإعدام وتصدر قرار إعدامه غيابيا ومن ثمّ تقوم هي بتنفيذ حكم الإعدام بواسطة 11 عميلا من عملائها القذرين بين شريك ومراقب للجريمة؟ أين هو القانون الدولي عندما يحتاجه المواطن الفلسطيني المقتول الأعزل؟؟ أين هو حكم القانون بالضبط؟؟ وماذا عن جريمة انتحال الشخصيّات المحرّمة في قوانين دولة إسرائيل نفسها؟! هل تخرق الدولة عمـْدا قوانينها هي نفسها؟؟ ما أهميّة سنّ القوانين بالكنيست إذن؟
// نهاية: (على غرار قصص جون لا-كري La-Carrie   الجاسوسيّة الشهيرة)
كشفَ الفريق ضاحي تميم, قائد شرطة دُبي في عملية تحقيق بوليسي رائع للغاية, هويات عملاء الموساد السريّة كلها واحدة تلو الأخرى, أحد عشر هويّة, وبهذا فاقت مقدرات الضابط تميم العربي بكثير, مقدرات المحقّق البلجيكي "هيركيول بوارو" الجنائية الهيرقليّة, إذ كان على تميم-العربي وفريقه أنْ يحققا داخل فنادق عديدة وفي مطار دبي الدولي الضخم (الذي هو أكبر بكثير من مطار اللدّ), وليس في مقطورات معدودة في قطار الشرق السريع  (Orient Express)الذي كان الجناة ما زالوا مسافرين على متنه, بعد انتهاء الجريمة وخلال كل فترة التحقيق. كما أن قصّة قائد الشرطة ضاحي تميم هي واقعيّة, وليست قصّة مجنّحة تطيرُ على أجنحة خيال كريستي الأدبيّ. 12 شخصا قاموا بتنفيذ جريمة قطار الشرق السريع و11 شخصا قاموا بتنفيذ عملية القتل في فندق الشرق في دبي الأبيّة. (مع متعاون فلسطينيّ!).
كل واحد من أولئك  القتـَلة من جهاز الموساد, وكل مواطن بريء تقمصّوا شخصيّته عنوةً, من أبناء شعبهم هم, سوف يبقى (بفضل تحقيق ضاحي خلفان تميم وفريقه الأبطال), من الآن فصاعدا, وحتى آخر يوم من أيام حياتهم - سوف يبقى يتلفّت وراءه خوفا وهلعا, كلما غادر دولة إسرائيل (حاملا جواز سفر بريطاني) إلى مدينة فيينا مثلا (عاصمة النمسا), لكي يتأكد أنه لا يوجد أحد أسمرُ البشرة, بنيّ العينين, أسود الشعر, قوي البنية, يلاحقه وهو يمشي وراءه حاملا سكين طويلة وراء ظهره لكي يطعنه, مرةً تلو الأخرى, كما طـُعن السيد راتشيت  Ratchett المليونير الإنجليزي البخيل, حاملُ جواز السفر البريطاني, في غرفته الفاخرة الوثيرة بقسم الدرجة الأولى, داخل قطار الشرق السريع عند اقتراب القطار من مدينة بلغراد (عاصمة بلغاريا), عندما ضاعـَت صرخات الهلع والألمِ العالية التي أطلقها العجوز راتشيت  في خضم ضوضاء محرك قطار الشرق البخاري العالية, وتلاشت صرخاته سريعا كما يتلاشى الدخان وهو يتصاعد من مدخنة فرن لخبز الطابون في بيت فقير أعزل من غزّة!

قد يهمّكم أيضا..
featured

تمثال الحرية عربة خضار

featured

إحفظوا هاللطش

featured

لماذا أجازت الرقابة العسكرية نشر شهادات جنود عن جرائم ارتكبوها في غزة؟

featured

الدمقراطية – الأسئلة والرهانات؟!

featured

رغيف زيت الكرامة!!

featured

جولات بيرس وجرائم جيوشه

featured

اللجنة الرباعية المنحازة