تهجّم أحد أعضاء كتلة إقرأ على طالب عربي.. تحليل، مخاطر وائتلاف علماني

single

من مظاهرة الأول من أيار في جامعة حيفا، الشهر الفائت

على الجبهة والتجمع أن يأتلفا كي يعملا سويا على الصعيدين الوطني والقومي. لا مكان لائتلاف شامل

أكتب هذه الأسطر إثر الأحداث الأخيرة، حيث وفقا للمزعوم، قام أحد أعضاء كتلة إقرأ بجامعة حيفا بالاعتداء جسديّا على أحد الطلاب بسبب مواقفه السياسية. 
أودّ التنويه أوّلا، أن المسألة تتعدّى حدود السياسة العربيّة المحليّة في الجامعة. إنّها لمسألة تتحدّى التوازن القائم ما بين السياسة والدين في أطرٍ حزبيّة عامّة وذلك القائم في الأحزاب الفاعلة بين جماهيرنا العربيّة خاصّةً على خلفيّة واقعنا كأقليّة تحاول ضمان حقوقها القوميّة من جهة وتأسيس مجتمع ديمقراطيّ تقدميّ تسوده المساواة والعدالة من جهة أخرى.
وأنوّه ثانيا على أنّ هذه السطور تستكمل ما يناشد به زملاء آخرون الجبهة والتجمّع لبناء ائتلاف علمانيّ وأجد تعليلهم على خلفيّة الأحداث الأخيرة مقنعا أكثر فأكثر. 


 
* الخلفيّة السياسية العامة


لقد طالب عضو آخر - ليس من تهجّم على الطالب - من كتلة إقرأ في ملاحظة أصدرها قبل الانتخابات من الجبهة والتجمّع بأن يأتوه بمواقف رسميّة حول أمور أخلاقيّة، بحسب تعريفه، مشيرا إلى أن من لا يقف بتلك المعايير الأخلاقيّة لا يستحق قيادة وتمثيل الطلاب العرب. وتلك هي الأمور اللتي طالب التوضيح بشأنها: 
"ما هو الموقف حول قضية وجود الله عز وجل؟؛ ما هو الموقف من الدين الاسلامي وتعاليمه؟ ما هو موقفهم من مسألة المثليه الجنسية؟ ؛ما هو موقفهم في قضية حق المرأة في جسدها وحرية الجنسيين في الزنى والخيانة الزوجية؟؛ ما هو موقفهم من حفلات السكر والعربده والتعري؟" 
استنتج من هذه الملاحظة وتساؤلات كاتبها أن النقاط المذكورة فيها والمواقف حولها هي ذات أهميّة عليا كونها تعرّف أخلاق علينا التحلي بها كي نكون جديرين بقيادة شعبنا ومن لا يتحلى بها فهو كافر وزانٍ. فالمسيحي، كونه يرفض الاسلام، كافر؛ المثلي الجنسي كافر؛ الذي يؤمن بحريّة المرأة على جسدها موضعه كموضع من يؤمن بحريّة الجنسين بالزنى والخيانة الزوجية، فهو زان وكافر... 
لا أعلم ما هو موقف ضحيّة التعدّي من هذه الأمور، ولكن لا شكّ أنّه نجح بإغاظة المتهجِّم لإيمانه بمبادئ يرفضها الأخير. كما ولا أعلم ما هو ردّ كتلة إقرأ على تبنّي أحد أعضائها العنف كأسلوب لمواجهة مواقف تخالف مواقفهم ولكن لا سيّما وأنها ساهمت في شرعنة مثل هذه التصرّفات في حملتها الانتخابية والتي قامت عبرها بتكفير من لا يوافق أخلاقياتهم.
ولكن الحملة الانتخابية ما هي إلا أحد المواقف التي اندلع فيها هذا الجدل، لأن الشرعنة المذكورة لا تقتصر على الحملة بل تنبع من صفات الحركات الدينية في مجتمعات ديمقراطية والحملة الانتخابية كانت مجرّد تعبير لهذه الصفات. سأحاول تفسير إدعائي في الأسطر التالية وسأستخلص بالاستنتاج النابع عنه.


 
* استعمال العنف كأسلوب


كتلة إقرأ كغيرها من تيّارات سياسية اعتنقت الدين كمبدأ سياسي، لا تؤمن بالديمقراطية والتعدّدية الفكريّة كون مواقفها نابعة، وفقا لإيمان أفرادها، عن كلمة الله ولا يستطيع أي موقف منافس أن يتساوى معها. هذه التيارات تتبنى عادة الانغلاق، مناهضة الليبراليّة والتخويف. هذه الأساليب تتفاقم في مجتمعات مختلطة أو في مجتمعات يكون فيها المسلمون أقليّة سياسية واجتماعيّة.
السبب لهذا التفاقم هو تخوّف قيادات المجموعات الإسلاميّة من ممارسة أفرادها ما يدعى "الحق بالخروج". الحق بالخروج يعتبر حق الفرد في مجتمع ليبرالي بالخروج من مجموعته، التخلّي عن مبادئها ومعتقداتها والانضمام الى مجموعات أخرى. وبشأن المجموعات الدينيّة، يتمثّل هذا الحق بالحق في عدم فرض الدين.
تطوّر هذا الحق الليبراليّ يشكّل خطرا على المجموعات غير-الليبراليّة حيث أنّه يهدّد كيانها ككل. فقد يؤدي منح الأفراد الحق بالخروج من مجموعاتهم إلى تفكيكها وزوالها. لذلك تردّ قيادات هذه المجموعات بتبني استراتيجيات الانغلاق ومحاربة الليبرالية وتكفيرها وبذلك تقوم ببناء حاجز بين أفراد المجموعة والمجتمع لمنع أفراد المجموعة من رؤية البديل الليبرالي، التعرّف عليه، الانضمام الى صفوفه وترك المجموعة.
لتستطيع فعل كلّ ذلك، على قيادات التيارات الدينية خوض السياسية كونها الأداة الأنجع في تشكيل المجتمع بحسب مبادئ الأقوى. تشكيل كتل سياسية دينيّة تضيف من الانغلاق في المجموعة حيث أن الدافع الأول والطبيعي عند الفرد المتديّن هو الانضمام اليها كونها تضمن مصالحه وبذلك لا يبحث عن أطر أخرى قد تفتح أمامه أبواب التعرّف على البدائل التي قد تشكّل تحدٍّ لمبادئه أو حتى تقنعه بأنّها الأفضل.
التخوّف من تفكيك المجموعة يلزم قيادات المجموعة اللا-ليبرالية محاربة الليبراليّة وأبعادها والإقناع بصدق مبادئها لا يكفي. لذلك تتبنى التخويف نحو أفرادها ونحو أفراد المجموعات الليبيرالية.
أما تجاه أفرادها تقوم قيادات المجموعات اللا-ليبيرالية بتبني أسلوب التخويف عبر إقناعهم أن ما لا يتماشى مع مبادئهم السياسية فهو كافر مصيره العذاب الأبديّ. قد تلجئ أحيانا لملاحقة الأفراد اللذين يشككون في مصداقيّة تعاليمهم كما وملاحقة أفراد المجموعات الأخرى الذين يحاولون فعل ذلك. لذلك، يحاولون تعريف ثمن تحدي قيمهم داخليا وخارجيا بصورة تجعل من يفكر بتحديها أن يتنازل عن ذلك حتى لا يدفع الثمن الباهظ. أوّلا بالتكفير والإقصاء داخليّا، وإن لم ينجحوا، فينتقلون الى أساليب التعدي العنيف. تجاه أفراد من المجموعات الأخرى الذين يشكّلون خطرا إيديولوجيا عليهم، فقط أساليب التعدي العنيف قد تجدي نفعا.

 

* تكفير وانتقائية


نتيجة تبني هذه الأساليب إن لم نحاربها واضحة. نجاعتها المثبتة تشكّل خطرا يجب استئصاله من جذوره حتى لا تنجح في فرض مبادئها على من لا يبغى بها.
الغريب هو في انتقائيّة المبادئ التي تتبناها هذه التيارات من تعاليمها الدينيّة. هذه الانتقائية سببها واحد ووحيد. المبادئ التي تحافظ على كيان المجموعة هي التي يتم إبرازها والمبادئ التي قد تناقض الأساليب المتبعة يتم إخفائها أو يتم إضافة حالات خارجة عن القاعدة فيها تعتبر هذه المبادئ غير سارية المفعول. العنف ممنوع إلا في حين مناقضة تعاليم الدين أو تشكيل خطر لزرعها في المجتمع. 
علينا كمجتمع تقدميّ وديمقراطي منع هذه الظواهر من أن تتفشى وعلينا رفضها كليّا. الدين، كل دين، لا يشكّل خطرا على المجتمع. في جنوب إفريقيا تطوّرت حركات نسويّة إسلامية تنادي بمساواة المرأة تعتمد على تعاليم إسلاميّة.
ولكن استعمال الدين بهدف تحصيل مكاسب وقوة سياسية يؤدي الى تشويه الدين واتباع أسلوب الانتقائية في تطبيق تعاليمه التي تتناسب مع الهدف.
في الأمد البعيد وبعد نجاح هذه التيارات في التغلغل كتيارات شرعية في المجتمع سيتم بناء مجتمع مبني على سياسات دينيّة تم انتقاؤها لإحراز المكاسب اللحظيّة لفئات معيّنة على حساب الحريات الفرديّة والجماعيّة لمجموعات أخرى، وحينها سيتحوّل العنف إلى ألأداة الرئيسية لتنظيم المجتمع.
علينا مكافحة هذا التدهور قبل أن نفقد السيطرة عليه. أساليب المكافحة عليها ألا تتبنى العنف وإنما عليها أن تكون سلمية مبنية على أسس قانونية وتربوية تهدف زرع الإيمان بالحريّات كمبادئ عليا. من ضمن هذه الحريات الحرية بممارسة الدين. ولا يحق لأحد أن يمنع أي فرد من ممارسة دينه. ولكن، علينا كمجتمع وضع الحد بين ممارسة الدين وفرضه على من يختار ألا يمارسه. علينا ضمان حق الأفراد بالخروج من مجموعاتهم اذا أرادوا ذلك وأن نمنع ممارسة العنف كوسيلة لضمان كيان تلك المجموعات. كما قلت مسبقا، مجتمع حر يسمح للفئات الدينيّة فيه أن تمارس معتقداتها. مجتمع يتخذ الكتب الدينية دستورا له يظلم الذين اختاروا معتقدات منافسة. الدين ليس إلا وجهة نظر يمكن الإقناع بها كمذهب حياتي وعلينا أن نمنع أي فرض له على من يرفضه.

 

* جامعة حيفا: تسييس الدين


ما شهدناه في جامعة حيفا ليس إلا من عوارض تسييس الدين. علينا كطلاب مثقفين وتقدميين رفضه وردعه. علينا الحفاظ على حقوق من يختار ممارسته؛ علينا الحفاظ على حقوق من يختار ألا يمارسه؛ علينا الحفاظ على حقوق المثليين؛ علينا ضمان مساواة المرأة والحفاظ على حقّها على جسدها – فليست ملك أي رجل أو أي مذهب؛ كما وعلينا ضمان الحق بالتعبير عن الرأي لجميع الأفراد ضمن حدوده الطبيعية وردع تبني البلطجيّة كأسلوب تخويف لمنع التعبير.
علينا بناء مجتمع ديمقراطيّ يضمن كل هذه الحقوق ولذلك نحتاج إلى لجنة طلاب عرب تترأسها الكتل العلمانية. علينا توضيح صورة مجتمعنا مستقبلا. نحن من سيقوده وعلينا من الآن ترسيخ مبادئه الليبرالية في ساحتنا المحليّة – الجامعة.
لذلك كخطوة أولى ممهِّدة للمستقبل على التجمّع والجبهة أن يتحالفوا كي يعملوا سويا على الصعيد الوطني والقومي أمام مؤسسات الجامعة وعلى الصعيد الإجتماعي داخليّا. لا مكان لإئتلاف شامل. إقرأ اختارت التشهير بمن هو غير مسلم أو من هو ليس "إقرأ" وعلينا معا أن نعرّف مجتمعنا وفقا لمبادئ ترفض هذه الأساليب. 
إذا كان الإسلام هو البديل للصهيونيّة كمبدأ سياسي معرِّف للدولة وهويّتها فآتوني بثالث، يشملني ويشمل الجميع: المسلم\ة، المسيحيّ\ة، الدرزيّ\ة، العلمانيّ\ة، الملحد\ة، المثليّ\ة جنسيّا، اليهوديّ\ة اللا-صهيونيّ\ة، المرأة الحرّة والرجل الحرّ...
ملاحظة على الهامش: لا تهدف هذه الملاحظة مهاجمة الإسلام، بل رفض الدمج بين الدين والسياسة ومستقبلا رفض الدمج بين الدين والدولة... على الإطار الجامع أن يضمن حقوق المتديّن بممارسة دينه دون رفض الدين أو العلمانية على أحد.. بنظري الإطار الوحيد لضمان ذلك هو العلماني...

 

* طالب جامعي (حيفا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

إن العيد يوقد مصباحه للبحث عنك

featured

منمشي ومنكفي الطريق

featured

طريق الخروج من قُلْقُس مُغْلَق وتحوّل عبور الشارع إلى مغامرة يوميّة

featured

اغتيال فكري وسياسي جبان

featured

نتنياهو.. خادم رؤوس الأموال!

featured

"إين كلوم لو هايا كلوم"

featured

الذكرى السنوية الأولى لرحيل توفيق طوبي

featured

نبني يسارًا جديدًا مع الجبهة