- لا بد ان اذكر مأثرة توفيق طوبي بعد مذبحة كفرقاسم الرهيبة عام 1956، عندما قام ورفيقه خالد الذكر ماير فلنر في اختراق الحصار الذي ضربه الجيش على القرية المنكوبة، وفضح توفيق طوبي الجريمة البشعة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد مواطنين مسالمين عائدين إلى بيوتهم من العمل، ناشرا كل تفاصيل الجريمة على الرأي العام المحلي والعالمي.
مر عام على رحيل فقيدنا الغالي كبيرنا وحبيبنا توفيق طوبي أبو الياس. توفيق طوبي القائد الشيوعي الفذ، الشخصية الوطنية البارزة، الإنسان الذي كرس كل حياته مناضلا من اجل الاشتراكية والسلام العادل والاخوّة اليهودية العربية والمساواة والدفاع عن الكادحين.
بدأت معرفته للأفكار الاشتراكية في أثناء دراسته الثانوية في كلية صهيون في القدس بتأثير أستاذ اللغة العربي اللبناني الأصل رئيف خوري وصديقه الشيوعي عبدالله البندك. وفي أثناء دراسته قام مع عدد من زملائه بتأسيس "رابطة الطلاب العرب" التي أصدرت لاحقا مجلة "الغد"، التي أمر الانتداب البريطاني بإغلاقها عام 1940. ولكنها عادت إلى الصدور كمجلة "رابطة المثقفين العرب".
بعد إنهاء دراسته وعودته إلى حيفا عمل موظفًا في دائرة العمل، وبعد وفاة والده أصبح رب العائلة يحمل هموم معيشتها. ولكن هذا لم يمنعه من التعرّف على الحزب الشيوعي الفلسطيني والانتساب إليه. وكان شريكًا في بداية 1942 مع طيّبي الذكر اميل توما وبولس فرح في تأسيس نادي "شعاع العمل" للعمل بين العمال العرب. وقام هذا النادي بدور كبير في توحيد عمال شركات البترول وعمال المعسكرات، الذين أقاموا "اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب" الذي كان من المشاركين في تأسيس مؤتمر العمال العرب عام 1945. وصدرت "الاتحاد" صحيفة أسبوعية في أيار 1944، وكان توفيق من المشاركين في تأسيسها.
وبعد الانقسام في الحزب الشيوعي على أساس قومي، أسس الشيوعيون العرب في أيلول 1943 عصبة التحرر الوطني وكان أميل توما سكرتيرها العام، أما أبو الياس فكان احد المشتركين في تأسيسها.
وجاءت النكبة واحتلت قوات الهجاناه مدينة حيفا وعملت على إرهاب السكان العرب بالقصف المتعمد، لإجبارهم على الرحيل. وكتب توفيق طوبي منشورًا دعا فيه السكان إلى عدم الرحيل والبقاء في بيوتهم، وحمل المنشور إلى عكا والناصرة حيث تم توزيعه. وبعد تجميع الثلاثة آلاف عربي الذين بقوا في حيفا في وادي النسناس وحي عباس قام توفيق طوبي مع الرفاق عصام العباسي ويوسف عبدو بدور هام لبقاء هؤلاء العرب في بيوتهم وعدم الرحيل.
والحقيقة تقال ان الحزب الشيوعي لعب دورا هاما على امتداد السنين في إفشال مشاريع التشريد والصهيونية، وفي بقاء الـ 150 ألف عربي فلسطيني في بيوتهم ومدنهم وقراهم والمحافظة على هويتهم القومية وثقافتهم ولغتهم وقامت صحيفة "الاتحاد" ومجلة "الغد" ومجلة "الجديد" بدور كبير في هذا المجال.
أيد الرفيق توفيق طوبي عودة الوحدة الأممية للحزب لانه رأى في ذلك قوة في النضال ضد سياسة التشريد والاضطهاد القومي. وتمت هذه الوحدة في أكتوبر تشرين الأول 1948 في حيفا في إطار الحزب الشيوعي الإسرائيلي. وعاد صدور الاتحاد في أكتوبر 48 وكان أبو الياس المحرر المسؤول ورئيس التحرير. وكقائد في الحزب عمل مع رفاقه العرب واليهود على تجنيد الحزب ضد السياسة العنصرية الحكومية، وكثيرة هي المعارك النضالية التي خاضها حزبنا، وكثيرون هم الرفاق الذين دخلوا السجون وذهبوا الى المنفى والذين قطعت أرزاقهم بمنع تصاريح السفر عنهم. كل ذلك بسبب نضالهم المخلص في خدمة شعبهم. ويكفي ان اذكر هبة الناصرة في الأول من أيار 1958، التي واجه فيها رفاق الحزب بشجاعة قوات الأمن التي حاولت منع مظاهرة الأول من أيار. وذهب أكثر من 300 رفيق إلى السجون مرفوعي الرأس. لا بد لي الا ان اذكر يوم الأرض الخالد في آذار 1976 والشهداء الأبرار الذين سقطوا برصاص قوات الأمن، والمظاهرات والإضراب العام دفاعًا عن الأرض، ودوّى الشعار: الأرض لنا وهذا وطننا وليس لنا وطن سواه.
- مصدر قوة لا ينضب
عمل أبو الياس على رأس قيادة الحزب، على بناء الحزب وتوسيع صفوفه وأصبح الحزب حزبا جماهيريا والقوة السياسية الأولى بين الجماهير العربية. وما زال كما كان.
وبعد الانقسام في الحزب سنة 1965، فقد أكد في سياسته ونضاله حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره، ولاحقا حقه في إقامة دولته المستقلة بحدود 4 حزيران 67 وعاصمتها القدس الشرقية. ولم يتوقف أبدا عن تأييد نضال الشعب الفلسطيني العادل.
وكان لابو الياس دور هام في ذلك، وفي إعادة الوحدة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقد منحه قائد الشعب الفلسطيني الخالد أبو عمار وساما فلسطينيا عاليا تقديرا لجهوده ونضاله.
لم يتوقف حزبنا اليهودي العربي عن النضال المثابر ضد سياسة التشريد والاضطهاد القومي ونهب الأراضي وهدم البيوت، وعمل دائما على بناء أوسع وحدة وطنية في هذا النضال. وكان لابو الياس دور هام في ذلك. وجاء انتصار جبهة الناصرة بقيادة القائد الخالد توفيق زياد في انتخابات بلدية الناصرة، ليضع حجر الأساس لقيام الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة. وقامت لجنة رؤساء السلطات المحلية، وقامت لجنة المتابعة ولجان الطلاب، لتقوّي وحدة الجماهير العربية في نضالها العادل من اجل المساواة وضد العنصرية.
ولا بد ان اذكر مأثرة توفيق طوبي بعد مذبحة كفرقاسم الرهيبة عام 1956، عندما قام ورفيقه خالد الذكر ماير فلنر في اختراق الحصار الذي ضربه الجيش على القرية المنكوبة، وفضح توفيق طوبي الجريمة البشعة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد مواطنين مسالمين عائدين إلى بيوتهم من العمل، ناشرا كل تفاصيل الجريمة على الرأي العام المحلي والعالمي. وقد قامت علاقة وثيقة بين أبو الياس وأهالي كفرقاسم حيث كان على صلة دائمة معهم، وقام أهل كفرقاسم وعلى رأسهم رئيس البلدية المحترم بدور مشرف عند رحيل أبو الياس، إذا حضر جمهور كبير منهم إلى حيفا للاشتراك في موكب الدفن ونظموا اجتماعا في كفر قاسم برئاسة رئيس البلدية تكريمًا لذكرى توفيق طوبي، كما حققوا طلبه بإقامة متحف تعرض فيه تفاصيل المذبحة.
كان أبو الياس إنسانا محبًا للناس، إنسانا اجتماعيًا يعيش معيشة بسيطة كالناس العاديين، ليس له من دخل سوى معاش المحترف الضئيل، أما معاشه كعضو كنيست فكان يحوّل مباشرة إلى صندوق اللجنة المركزية طوال عضويته في الكنيست. كان يعود إلى البيت في نهاية الأسبوع، ليقوم بزيارة للفروع أو التحدث في اجتماعات شعبية، وهكذا لم يتبقَّ سوى القليل من الوقت لعائلته.
آمن أبو الياس إيمانًا عميقًا بوحدة الحزب الأممية وبالاخوّة اليهودية العربية لأنها مصدر قوة لا ينضب لحزبنا وجماهيرنا في نضالها، وأوصى دائمًا بالحفاظ على وحدة الحزب.
وبهذه المناسبة أريد ان أتقدم بالشكر الجزيل لقيادة حزبنا وجميع رفاقه على إحياء هذه الأمسية تخليدًا لذكرى توفيق طوبي في الذكرى السنوية الأولى لرحيله، كما أتقدم بخالص الشكر للجمهور الكريم الذي شارك في هذه الأمسية.
رفع أبو الياس ورفاقه عاليا علم السلام العادل والمساواة والدفاع عن الكادحين، وها انتم أيها الرفاق تتابعون بشرف هذه المسيرة وترفعون عاليا هذا العلم ومعكم رفاق الشبيبة الشيوعية.
رحل توفيق طوبي عنا، ولكن ذكراه ستبقى خالدة في قلوبنا وجماهير شعبنا، والعزة والنصر لحزبنا الشيوعي اليهودي العربي.
